احتفاء المسلمين بالمولد النبوي الشريف بين بلاغة الأدب ونفحات الابتهال

كتب – نصار يقين داود
الحمد لله تعالى الذي خاطب رسوله أشرف خطاب، فقال له “يا أيها النبي” وخاطب بقية الأنبياء بأسمائهم، حيث قال: يا آدم ويا نوح ويا إبراهيم ويا موسى ويا عيسى ابن مريم، وعاتبه أجمل عتاب، فقاال له ” عفا الله عنك، قبل أن يقول له ” لما أذنت لهم“.
الحمد لله تعالى الذي خاطب رسوله أشرف خطاب، وعاتبه أجمل عتاب، وبعثه نورا وهدى ورحمة للعالمين أجمعين، وأنزل عليه الكتاب العزيز وقص عليه أجمل القصص، وألهمه أجمل القول وأصدق الكلام. وزكاه في كل صفات البشر فكان سيد البشر في الدنيا والاخرة، وآتاه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وأعد له المقام المحمود، فكان عليه الصلاة والسلام خير من تُرجى شفاعته. هو دعوة أبينا إبراهيم ، وبشرى المسيح بن مريم عليهما السلام. زكى الحق جل وعلا عقل نبيه الكريم وثباته العظيم، فقال جل وعلا ” ما ضل صاحبكم وما غوى” وزكى لسانه ونطقه فقال ” وما ينطق عن الهوى” وزكى معلمه جبريل عليه السلام فقال ” علمه شديد القوى ” وزكى فؤاده فقال ” ما كذب الفؤاد ما رأى” وزكى بصره فقال ” ما زاغ البصر وما طغى “.
أوراد الصالحين وتجليات المناجاة عبر التاريخ
طاب احتفاء المسلمين، وطابت مسراتهم وأفراحهم بالمناسبة العطرة والذكرى الكريمة في كل عام. وبذكره علية الصلاة والسلام عذُب الكلام واحلو الشعر، وسما الأدب وارتفعت درجاته بأجمل الدعاء الذي هو أشرف الأدب والآداب، وأخلد النصوص وفيه أعظم طبقات البلاغة، وجد العباد في الدعاء الذي سنه الحبيب إحياء للقلوب وتنبيها للعقول، وتربية للنفوس، فجاءت الأوراد العظيمة على ألسنة عباد الله تعالى الأصفياء الأنقياء من أوليائه الصالحين، قبل مائتي عام ونيف ولد غلام في أنحاء البصرة، بعد ما يقارب سبعة قرون على مولد الإمام أحمد الرفاعي بالقرب من ذلك المكان، هذا الغلام أصبح فيما بعد إماما في التقوى والزهد والدعاء ” إنه الإمام الرواس” الذي أدى فريضة الحج صبيا، ثم أقام في المدينة المنورة عمرا حتى أكتملت فيها شخصيته ثم وفد إلى بيت المقدس، ومنها ارتحل إلى مصر وأقام فيها وأخذ ما وجده فيها من علوم الشرع ومحبة للرسول عليه الصلاة والسلام، هذا الإمام ومن معه في زمنه ومن اتبعه حتى يوما هذا أحيا سيرة الإمام الرفاعي، ونقل للمسلمين أوراد الرفاعي في المناجاة في الظلمات وأوراد البركات والاستعاذات، وأوراد الرزق والنصروالابتهالات، واورادا جميلة أخرى للدسوقي والشاذلي والبدوي رحمهم الله جميعا، وعلى خُطى الرواس سار الشيخ ناصر الدين الخطيب رحمه الله تعالى الذي توفي قبل عشر سنوات بعد أن قدم لأمة الإسلام مؤلفا جميلا في الأوراد سماه الإفاضة الكبرى، في هذه الأوراد وإضافة إلى الأدعية المباركة التي ثبتت عن الرسول الكريم وما تبعها من أدعية واوراد تناسب حاجات كل زمان، يجد القراء إضافات لجمال الدين الحق وبشرى بأن هذا الدين الذي يزداد رسوخا في هذا الكوكب، هو أيضا يزداد جمالا بالدعاء والذكر والنشيد والإبتهال بهذه المناسبة العظيمة ليزداد جمال ريبع الأول كله وتعظم تفيؤاته كما هو حاصل في مصر الكنانة من أول أيام ربيع الأول إلى آخره تكريما لمناسبة المولد النبوي الشريف، الذي لم يكن يوما عاديا في نظر العارفين والمتقين، بل كان يوما عظيما خالدا ليس له مثيل، من أجل إنقاذ البشرية من كل ضلال، وإسعادها في كل مجال، هذا في الأدب.
روائع الشعر والمديح النبوي
واما في الشعر، فهذا البوصيري ينشد:
مولاي صل وسلم دائما ابدا على حبيبك خير الخلق كلهم
أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم
هذه قصيدة نهج البردة للبوصيري التي تعد من أهم روائع الشعر العربي في المديح النبوي التي جمعت بين البلاغة والفن الصوفي وحب النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جسدت كلماتها أصالة التراث الإسلامي وشغف القلوب بمحبة الحبيب المصطفى. هذه القصيدة التي نظمها الإمام شرف الدين محمد بن سعيد الصنهاجي البوصيري تتميز بقوة التعبير وجمال اللغة، وهي امتداد لنهج قصائد المدح التي تلت قصة كعب بن زهير مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه القصيدة وقصيدة شوقي وقصيدة تميم البرغوثي الحديثة جدا والمكونة من مائتي بيت من الشعر العمودي الجميل كلها تعبر وتمثل الشعر المديحي للرسول عليه الصلاة والسلام، وتجعله أثرا خالدا ودعاء جميلا بعد الصلاة في الأدب الإسلامي العربي ” الذي يجمع أدب العرب بأدب الترك والفرس والكرد وغيرهم من الأعاجم، وانبعث قصائد المديح النبوي من قلوب امتلأت شوقًا إلى الحبيب المصطفى، فصار الشعر منبرًا للتقديس والتعبير عن المحبة، ومجالاً تتجلى فيه الروح وهي تنشد أنوار النبوة. نظم الشعراء قصائدهم يبتغون بها القرب من المعنى المحمدي، فسكبوا في الأوزان روحا تعبق بالإيمان تناسب الذكرى العطرة والشهر الجميل في كل عام..
الإنشاد والابتهال في مديح النبي محمد صلى الله عليه وسلم
وأما في النشيد والابتهال‘ فقبل أكثر من مائة عام ولد في مصر في المنشدان المبتهلان البديعان الساميان، سيد محمد النقشبندي ونصر الدين طوبار، قدما لمصر خاصة وللعرب وللمسلمين عامة ابتهالات أسعدت ليالي ومناسبات أمة الإسلام كثيرا في جميع أرجاء الأرض، فقدما أرقى فنون النغم البديع في أجمل المدائح وقادا وأمثالهما اتجاه الفن المباح المتصدي لكل الفنون الهابطة، ولا زالت مدائحمها وابتهالاتهما منقطعة النظير في تجميل جميع المناسبات الإسلامية، رفعا ذوق الأمة إلى أمثل المستويات وعلما الأجيال كيف تدعو ربها وكيف تصلي على نبيها وتمتدح شماءله، قدما للأمة كل ما يسري عن القلوب ويحبب بالدين ويزيده جمالا في حياة الناس وفرح الصغار والكبار.
وفي فلسطين نجد أفضل وأقوى من وظف المناسبة لمواجهة العدو، فقد اهتم كثيرا بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي بإحياء مناسبات الموالد في فلسطين خاصة وأرض الشام عامة، فجعل من تلك المناسبات تجمعات سريعة لأهل فلسطين في أغلب المواقع، كانما أراد تدريبهم على سرعة النفير، ووضعهم دائما في هيئة الاستعداد لمواجهة الصليبيين كلما فكروا بغدر وخيانة، وفي تلك المواسم كان يقدم للناس الطعام والشراب ويغدق عليهم بكل نفيس، كي يجعل من احتفائه بالمولد النبوي الشريف أشرف المداخل لفهم سيرة المصطفى الجهادية عليه الصلاة والسلام، وكي تكون هذه السيرة العطرة القدوة والمثال الأعلى في التضامن والتكافل بين الناس، ولقد استمرت الاحتفاء بهذه المناسبة الشريف حتى اليوم، وفي القدس الشريف فإن بهجة المولد النبوي عظيمة الجمال، فكأنماخُلقت القدس إصلا لإظهار جمال الإسلام، فمن اي أبوابها الجميلة دخلت وسرت في أسواقها وطرقها المسقوفة ، سوف تجد ما يسرك، فحلويات المولد وخاصة المشبك الملون في الأسوق المسقوفة، المظللة الظليلة ليلا و نهارا يخطف أبصار الزائرين كبارا قبل الصغار، وفي كل المواقع سوف تكون قريبا جدا من ابواب الحرم الشريف، ومن أي باب دخلت سوف تجد ما يفوق الجمال ويعلو على الخيال.
والصلاة والسلام عليك يا إمام المرسلين ويا خاتم النبيين، في ذكرى مولدك الشريف والتهنئة والتبريك لكل محبيك وتابعيك.
نصار يقين داود
.nassaryaqin@yahoo.com




