أراء وقراءات

الإعلام في زمن المباريات الكبرى.. حين يصبح الانتصار قصة والهزيمة رسالة

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

في عالم كرة القدم، لا تُحسم المباريات دائمًا داخل المستطيل الأخضر، فهناك مباراة أخرى لا تقل أهمية تدور خارج الملعب، بطلها الإعلام، وأدواتها الكاميرات، والتحليلات، والصور، والروايات المختلفة. وفي مباراة المنتخب المصري أمام الأرجنتين، التي انتهت بفوز الأرجنتين بنتيجة (3-2)، بعدما تقدم المنتخب المصري بهدفين نظيفين، برز الإعلام باعتباره اللاعب الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي الجماهيري وصناعة الرواية التي ستبقى في الأذهان.

قد يخسر فريق مباراة، لكن طريقة تناول الإعلام لهذا الحدث هي التي تحدد ما إذا كانت الهزيمة ستُقرأ باعتبارها فشلًا، أم باعتبارها بطولةً وشهادةً على الأداء المشرف.

*الرواية التي يكتبها الإعلام

الإعلام المهني لا يكتفي بإعلان النتيجة، بل يبحث عما وراءها؛ كيف لعب الفريق؟ وكيف قاتل لاعبوه؟ وما الظروف التي أحاطت بالمباراة؟ وهل كانت هناك قرارات تحكيمية مثيرة للجدل أثرت في مجريات اللقاء؟

فالجمهور لا يتذكر الأرقام فقط، بل يتذكر أيضًا القصة التي رافقت المباراة. ومن هنا يصبح الإعلام صانعًا للوعي، لا مجرد ناقل للأخبار، فهو القادر على تحويل مباراة إلى درس في الإصرار، أو إلى حالة من الإحباط، وفقًا لطريقة تناوله للأحداث.

*حين يصبح التحكيم جزءًا من الخبر

في مباراة مصر والأرجنتين، رأى كثير من المتابعين أن بعض القرارات التحكيمية كانت محل جدل، وأنها أثارت تساؤلات واسعة حول مدى تأثيرها في نتيجة المباراة. وهنا يظهر الدور الحقيقي للإعلام؛ ليس في تأجيج الغضب أو نشر الاتهامات دون دليل، وإنما في عرض الوقائع وتحليل اللقطات والاستماع إلى آراء الخبراء، بما يحفظ حق الجمهور في المعرفة ويحافظ في الوقت ذاته على المهنية والموضوعية.

فالإعلام المسؤول لا يصنع الأزمات، وإنما يساعد الجمهور على فهمها، ويضع كل حدث في سياقه الصحيح بعيدًا عن الانفعال أو التحيز.

*صناعة الأمل لا صناعة الإحباط

رغم الخسارة، فإن المنتخب المصري قدم مباراة كبيرة أمام أحد أقوى منتخبات العالم، واستطاع أن يتقدم بهدفين نظيفين، في رسالة واضحة بأن الكرة المصرية تمتلك عناصر قادرة على المنافسة والوصول إلى مستويات عالمية.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في التركيز على الدروس الإيجابية، وإبراز روح القتال والانضباط والإصرار، لأن بناء الثقة في المنتخبات الوطنية يبدأ من الخطاب الإعلامي الذي يدعم ولا يهدم، ويحفز ولا يثبط.

*الإعلام.. قوة ناعمة تعكس صورة الوطن

لم يعد الإعلام الرياضي مجرد وسيلة لنقل المباريات، بل أصبح أحد أدوات القوة الناعمة التي تعكس صورة الدول أمام العالم. فكل تقرير، وكل تحليل، وكل رسالة إعلامية، تسهم في رسم صورة عن وعي المجتمع، واحترامه للمنافس، وقدرته على إدارة الاختلاف بروح رياضية.

وعندما يجمع الإعلام بين المهنية والوطنية، فإنه يدافع عن حق فريقه بالحجة والدليل، ويحافظ في الوقت نفسه على قيم الاحترام والإنصاف.

*ما بعد صافرة النهاية

قد تنتهي المباراة بخسارة أو فوز، لكن الرسائل التي يتركها الإعلام تبقى في ذاكرة الجماهير لسنوات. لذلك فإن مسؤولية الإعلام لا تقف عند نقل الأحداث، بل تمتد إلى ترسيخ قيم العدالة، والروح الرياضية، والثقة في المستقبل.

لقد أثبتت هذه المباراة أن المنتخب المصري يمتلك القدرة على منافسة كبار العالم، وأن الجماهير تقف خلفه بكل فخر. أما الإعلام، فعليه أن يواصل أداء رسالته بمهنية ومسؤولية، لأن الكلمة قد تصنع معنويات أمة، كما قد تهدمها، ولأن الرواية الصادقة هي التي تبقى في ذاكرة التاريخ، بينما تختفي النتائج مع مرور الأيام.

فالرياضة تنتهي بصافرة الحكم، أما رسالة الإعلام فلا تنتهي إلا عندما يصل إلى الجمهور وعيٌ كامل، وحقيقةٌ متوازنة، وأملٌ يدفع نحو المستقبل.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى