غياب التربية.. والهروب من المسؤولية

بقلم: الإعلامي نبيل قشطي
نعاني في مجتمعنا الحالي من انتشار ظاهرة السلوكيات الخاطئة وانعدام التربية الواضح، وبالرغم من أن هذه الأزمة تمس الجميع، إلا أننا وقعنا في فخ تبرئة الذات؛ حيث يرى كل طرف السلبيات في تربية الآخرين لأولادهم، بينما يعمى عن رؤية أخطاء تربيته لأولاده، متناسين أن الرقابة الحقيقية تبدأ من الداخل لتشكيل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
غياب التواصل الأسري وسطوة السوشيال ميديا
إن عدم وجود تواصل حقيقي بين أفراد الأسرة الواحدة جعل المقارنة والتفرقة في التعامل أمراً سائداً، لندخل في حالة من إنكار الحقائق نرى فيها أولادنا معصومين والباقي مخطئين. وقد ساهم ارتماء الأفراد في أحضان وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من التواصل الأسري في جعل الحياة بلا طعم؛ حيث تحولت العلاقات إلى مجرد أخبار باهتة، وتبددت المشاركة الوجدانية الحقيقية في الأفراح والأحزان ليحل محلها تصفية الحسابات والنبش في دفاتر الماضي.
إهدار قيمة العطاء ومفهوم “الخادم سيد القوم”
من الظواهر المؤسفة في العائلة والمجتمع، أن الشخص الذي يتطوع لخدمة أهله والناس يضيع حقه ويُهضم، ولقد تناسى الكثيرون توجيه الرسول الكريم ﷺ بأن “خادم القوم سيدهم”، لينظروا إليه كخادم مهدور الحق حتى مع أسرته، وتتحول الخدمة من باب “العشم” إلى نوع من “الغشم”. وعندما يقدم هذا الشخص خدماته لوجه الله، يُنظر إليه برؤية مادية قاصرة على أنه محتاج وأقل مستوى، ليصبح في نظرهم “مرمطوناً” لا قيمة له لأنه لم يتعلم الأنانية والأخذ، في مقابل فئة اعتادت الأخذ دون العطاء.
صراع الأجيال وغياب مرونة التعامل بين الكبير والصغير
نعيش اليوم حالة حادة من عدم مواجهة المشاكل؛ فلا الكبير يرحم ولا الصغير يعذر. وتتجلى هذه الأزمة في العناد اليومي وسوء الظن مثل عبارة: «فلا قابلني ولا سلّم عليَّ ده أصله مش متربي»، وعند عتابه يقول: «هو الكبير اللي هيروح ولا الصغير؟». لقد بات الإخوة ما بين الأخ الكبير الذي تعود أن يقدم الجميع له ولأولاده فروض الطاعة، وبين الأخ الصغير المدلل، في حيرة مريرة حول إرضاء من، وسط غياب تام لثقافة التسامح والحنين التي لا تُشحذ بل يُربى عليها الإنسان.
نحو إستراتيجية جديدة: التربية قبل التعليم
إن خوفنا من الفهم الخاطئ لكلامنا جعلنا نبتعد عن بعضنا البعض، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة تربية شاملة تنطلق من الأسرة وتمر بالمجتمع والمدرسة. ونطالب بإدراج دروس حقيقية في المناهج تشرح وتفسر حق كل فرد، وتُعيد ترسيخ ثقافة الاعتذار وسماع كلمة “شكراً” داخل الأسرة أولاً، فالتفريط في التربية قادنا حتماً إلى افتقاد التعليم لتصبح الشهادات مجرد حبر على ورق، وكما قال الشاعر:
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا … وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
وخلاصة القول أن التكاتف والتعاون المجتمعي، والتركيز على الإيجابيات بدلاً من السلبيات، هما السبيل الوحيد لبناء مستقبل أفضل.
الإعلامي نبيل قشطي




