الجزائرشئون عربية

الجزائر… فجر الحرية في الخامس من يوليو 1962

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في صباحٍ فصل من فصول التاريخ المضيئة، ارتفعت راية الجزائر حرةً خضراء تُلامس السماء في الخامس من يوليو عام 1962، معلنةً نهاية 132 عامًا من الاحتلال الفرنسي، وبداية عهدٍ جديدٍ من السيادة والكرامة لم يكن ذلك اليوم مجرد تاريخٍ يُسجّل، بل ولادة أمةٍ قاومت، وقدّمت أغلى ما تملك لتسترد حريتها   الخامس من يوليو هو وعد الشهداء وقد تحقّق، وصرخة أمٍّ لبست السواد وهتفت من قلبها: تحيا الجزائر… إلى الأبد.

من قرنٍ ونصفٍ من الألم إلى فجرٍ من النور

 

بدأت مأساة الجزائر مع إنزال القوات الفرنسية على سواحلها في 5 يوليو عام 1830، يومٍ أسودٍ وضع البلاد تحت قبضة استعمارٍ استمر لأكثر من قرنٍ وثلاثة عقود سعى فيها الاستعمار الفرنسي إلى محو هوية الجزائر العربية والإسلامية، فاغتصب الأراضي، وبدّل التعليم والثقافة، وفرض لغته وقوانينه، لكنه لم يستطع أن ينتزع روح المقاومة من صدور الجزائريين.

ظلت الثورة تنبض في القلوب حتى تفجّرت في الأول من نوفمبر 1954، يومٍ لا يُنسى في ذاكرة الأمة، حين أعلنت جبهة التحرير الوطني اندلاع ثورة التحرير الكبرى، فتوحد الشعب بكل فئاته خلف شعار واحد: من أجل استقلال الجزائر    سبع سنواتٍ ونصف من المعارك الضارية والمجازر والملاحقات والتضحيات، مئات الآلاف من الشهداء، نساءٌ حملن الرسائل تحت الخطر، وشبابٌ فجّروا الجبال ليُطلقوا صوت الحرية من أعالي القمم.

ثم جاءت اتفاقيات إيفيان في 18 مارس 1962 لتضع حدًا للحرب، وتنص على إجراء استفتاء لتقرير المصير في الأول من يوليو، حيث صوّت الشعب الجزائري بنسبة ساحقة لصالح الاستقلال وفي5  يوليو 1962، استعاد الوطن حريته رسميًا، في اليوم ذاته الذي شهد قبل 132 عامًا سقوطه تحت الاحتلال، لتغدو الرمزية التاريخية كقصيدة تتوّج الصبر بالنصر.

نبض المشاعر يوم الحرية

ذلك الصباح، امتلأت الساحات بالجموع، وجبال الأوراس ردّدت التكبير، وأعلام الجزائر خفقت في كل بيتٍ وشارع الدموع امتزجت بالابتسامات، والأهازيج غطت هدير التاريخ رفع العلم بألوانه التي تحمل روح البلاد: الأخضر للأمل والنماء، الأبيض للنقاء والسلام، والأحمر لدماء الشهداء التي أنارت الدرب               كان العلم حينها أكثر من رمز؛ كان عهدًا بين الماضي والمستقبل، بين الأرض والأرواح التي عانقت سماء الحرية.

الاحتفال بالكرامة والوحدة الوطنية

ومنذ ذلك اليوم المجيد، تحتفل الجزائر في كل عام بعيد استقلالها، ترفرف الرايات فوق الساحات والمباني، وتتعالى أناشيد الوطن من “قسماً بالنازلات الماحقات” إلى “من جبالنا” تُقام المسيرات في العاصمة والمدن الكبرى، وتُكرَّم عائلات الشهداء في مجالس الوفاء.                                                                  في المدارس يتعلم الأطفال قصة الثورة، وفي القرى يروى الحكايات كبار السن، لتبقى الذاكرة حية في الأجيال المتعاقبة.

إنه يوم تتوحد فيه الجزائر بأكملها، من تلمسان إلى عنابة، ومن تمنراست إلى بجاية، تحت رايةٍ واحدةٍ، وقلبٍ، وطنيٍّ واحد إنه اليوم الذي تُعيد فيه الأمة قراءة تاريخها لتستلهم منه الشجاعة في مواجهة تحديات الحاضر.

قيم الحرية والإرث الوطني

يرمز الخامس من يوليو إلى أعظم ما يملكه الجزائريون: الإيمان، والوحدة، والكرامة غرس الاستقلال في قلب الجزائر إرثًا من الصمود وحب الوطن                 ومنذ ذلك الحين، شرعت الدولة في بناء مؤسساتها، وأطلقت مسيرة التعليم والتنمية لتستعيد موقعها بين الأمم لم تكن سنوات ما بعد الاستقلال سهلة، لكنها كانت مفعمة بالإصرار على الوفاء لدماء الشهداء، والسير على طريق من سبقونا.

واليوم، يحمل الشباب الجزائري مشعل الحرية نفسه في ميدان العصر الجديد، ميدان العمل والمعرفة والإبداع فالاستقلال ليس ذكرى ماضية، بل وعدٌ دائمٌ بالكرامة والسيادة.

الجزائر… وطنٌ لا يخبو نوره

في عيد استقلالها، تقف الجزائر شامخةً كجبل الشاوية الذي لا تهزه الرياح، وكصوت المجاهدين الذي لا يخفت الخامس من يوليو ليس يوم وطن، بل وجدان أمةٍ صنعت مجدها بدمائها، وردّت للاسم معناه الحقيقي.

يا جزائرُ، في حُبِّكِ وُلدنا، وفي كرامتِك نحيا، وفي ظلالِ رايتِكِ الخضراءِ نُقسم… أن تبقي حرةً أبدَ الدهر، وعَزّكِ في القلوبِ لا يزول.

 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى