أراء وقراءات

المناعة الرقمية في عصر الخوارزميات.. كيف نحمي وعينا من هندسة التأثير؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

 

لم تعد السيطرة على المعلومات هي الخطر الأكبر.. الخطر أن يصبح التحكم في الانتباه طريقًا غير مرئي للتأثير في الوعي.

*الخوارزمية لا تخبرك ماذا تفكر.. لكنها تحدد ما الذي تراه

الخوارزميات لا تعمل بالضرورة من خلال فرض رأي مباشر، وإنما من خلال ترتيب المحتوى وتحديد ما يحظى بالظهور والتكرار. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، أصبح ما يصل إلى المستخدم جزءًا من بيئة مصممة وفق أنماط اهتمامه وتفاعله. وهنا يمكن أن يتحول الاختيار الشخصي تدريجيًا إلى اختيار تتدخل في تشكيله آليات لا نراها.

*التكرار يصنع الألفة.. والألفة قد تصنع القناعة

حين تتكرر فكرة أو صورة أو رواية أمام المستخدم، فإنها تصبح أكثر حضورًا في ذهنه، حتى وإن لم يكن قد بحث عنها أو اختارها بصورة واعية. والخطر هنا ليس في التكرار وحده، وإنما في أن يتحول المحتوى المتكرر إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها القضية، بينما تتراجع أمامه روايات ومصادر أخرى.

*هندسة الانتباه.. الوجه الآخر للتأثير

في البيئة الرقمية، أصبح الانتباه قيمة اقتصادية وإعلامية. لذلك تحظى المواد القادرة على إثارة الفضول والانفعال بقدرة كبيرة على جذب المستخدم والاستمرار أمامه. وعندما يصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر قدرة على الوصول، فإن المنافسة لا تكون فقط على تقديم المعلومات، وإنما على احتلال مساحة من وعي الجمهور.

*من الوعي الرقمي إلى المناعة الرقمية

معرفة أن الخوارزميات تؤثر في المحتوى الذي نراه خطوة مهمة، لكنها لم تعد كافية. المطلوب هو بناء مناعة رقمية تجعل الفرد أكثر قدرة على تنويع مصادره، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الحقيقة والرأي، والانتباه إلى المحتوى الذي يعتمد على الاستثارة والانفعال أكثر من اعتماده على المعلومات.

*المقاومة تبدأ باستعادة حق الاختيار

المقاومة الرقمية لا تعني رفض التكنولوجيا ولا الانعزال عن المنصات، وإنما تعني ألا يصبح ما تقترحه الخوارزمية هو المصدر الوحيد للمعرفة. تنويع المصادر، البحث عن المعلومات من خارج دوائر التوصية، قراءة المحتوى في سياقه، وعدم إعادة نشر المادة لمجرد أنها مثيرة؛ كلها ممارسات بسيطة لكنها تعيد جزءًا من القرار إلى المستخدم.

*كيف نحمي وعينا؟

الحماية تبدأ من بناء عادة رقمية أكثر وعيًا: لا تكتفِ بما تقدمه لك المنصة، ابحث عما لم تقدمه لك، اسأل عن المصدر، وقارن بين أكثر من رواية، ولا تجعل التفاعل والانفعال معيارًا للحقيقة. والأهم ألا تسمح للتكرار بأن يحل محل الدليل، ولا للخوارزمية بأن تتحول من أداة تساعدك في الوصول إلى المعلومات إلى وسيط يحدد لك العالم الذي تراه..

فالمناعة الرقمية ليست أن نعيش بعيدًا عن الخوارزميات.. بل أن نعيش بينها دون أن نفقد قدرتنا على الاختيار.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

زر الذهاب إلى الأعلى