تطورات حاسمة في دارفور: الجيش السوداني يحاصر “الجنينة” ويحباط مخططات الدعم السريع

كتبت – د. هيام الإبس
في تحول ميداني لافت قد يعيد رسم خريطة النفوذ العسكري في إقليم دارفور المشتعل، تتجه الأنظار مجدداً نحو مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور وآخر أبرز معاقل قوات الدعم السريع بالمنطقة. يأتي هذا التحول عقب نجاح الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه في صد هجمات مكثفة بمحيط مدينة “بير سليبة” الاستراتيجية، في خطوة تمهيدية لتطويق المدينة وعزلها عن امتداداتها الحدودية الصحراوية.
انكسار محاولة التطويق في “بير سليبة”
شهدت الأيام الأولى من شهر أغسطس تصاعداً حاداً في المواجهات المسلحة، إثر شن قوات الدعم السريع هجومين متتاليين على منطقة “بير سليبة” — التي تبعد نحو 30 كيلومتراً شمال الجنينة وتعد شرياناً رابطاً بين العاصمة والولايات الشمالية الغربية مثل جبل مون وكلبس.
واستهدفت الهجمات اختراق دفاعات الجيش والقوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح عبر مخطط محكم للالتفاف والتطويق؛ إلا أن حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أكد إحباط هذا المخطط، مشيراً إلى احتفاظ القوات الحكومية بمواقعها التكتيكية وتكبيد المهاجمين خسائر قاسية في الأرواح والعتاد.
ضربات قيادية وخسائر ميدانية فادحة
أسفرت المواجهات عن استعادة القوات الحكومية زمام المبادرة الميدانية، وسط أنباء عن ضربات موجعة تلقتها قيادات “الدعم السريع”:
-
مقتل قادة بارزين: أعلن مناوي مقتل اللواء مهدي آدم (المعروف بـ “جبل مون”)، أحد أبرز القادة الميدانيين للمحور الغربي في قوات الدعم السريع، إلى جانب مقتل قائد القوة المهاجمة ميدانياً.
-
استنزاف الآليات: أوضح المتحدث باسم القوة المشتركة، الرائد متوكل علي وكيل أبو جا، أن العمليات أسفرت عن تدمير أكثر من 38 آلية قتالية، والسيطرة على 27 آلية أخرى بحالة جيدة، مما أجبر القوة المهاجمة على الانكفاء والتراجع.
خنق خطوط الإمداد ومعركة “الجنينة” المحتملة
ترتكز استراتيجية الجيش السوداني وحلفائه في الوقت الراهن على قطع طرق الإمداد المعقدة الممتدة عبر الشريط الحدودي والمسارات الصحراوية القادمة من تشاد. وتزامنت المواجهات البرية مع تنفيذ سلاح الجو غارات مركزة استهدفت قوافل إمداد تحركت بالقرب من الحدود التشادية.
ويرى مراقبون عسكريون أن تحركات الجيش في محور “بير سليبة” تهدف بالأساس إلى قطع أوردة الحياة عن قوات الدعم السريع داخل الجنينة، والتمهيد لنقل الثقل العسكري إلى محيط المدينة لخوض معركة حاسمة تنهي سيطرة “الدعم السريع” عليها.
تصاعد “حرب المسيّرات” والتحول الدفاعي
في ظل التراجعات البرية وفقدان بعض الطرق الحيوية — مثل طريق “أم درمان – الأبيض” الاستراتيجي — لجأت قوات الدعم السريع بشكل مكثف إلى استخدام الطائرات المسيّرة الهجومية لتعويض الفارق الميداني، وهو ما اعتبره قياديون في الحركات المسلحة مؤشراً على انتقال خصومهم من مرحلة التوسع الميداني إلى مرحلة الدفاع والاستماتة للحفاظ على نقاط النفوذ المتبقية. وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية ضبط وإسقاط عدد من هذه المسيّرات في محور “جبرة الشيخ”.
تفقد إنساني وتصعيد سياسي
على الهامش المظلم للتطورات العسكرية، تتضاعف الكلفة الإنسانية للصراع؛ إذ وثقت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 6,650 شخصاً من 11 قرية بمنطقة “سربا” جراء المواجهات الأخيرة، لتنضم هذه الأعداد إلى القائمة المليونية للنازحين في السودان والتي تجاوزت 13 مليون شخص.
سياسياً، يزيد المشهد تعقيداً مع اتجاه قوات الدعم السريع وحلفائها إلى تشكيل إدارة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، رداً على سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، ما ينقل الأزمة من صراع ميداني على الأرض إلى صراع مؤسسي يهدد بتعميق انقسام البلاد.
المشهد المفتوح
تظل المعركة المقبلة حول “الجنينة” مرتهنة بمدى قدرة الجيش وحلفائه على تثبيت مكاسبهم وإحكام الحصار على شبكات الإمداد الصحراوية، مقابل قدرة قوات الدعم السريع على استعادة التوازن واحتواء الصدمة. وبين الحسابات العسكرية للطرفين، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في مواجهة تداعيات حرب باتت تجرف الأخضر واليابس في غرب السودان.




