حزام النار الأفريقي: كيف تحولت وعود “االأنظمة العسكرية” بالاستقرار إلى كابوس أمنى وقمع سياسى فى الساحل؟

كتبت – د.هيام الإبس
تحت غطاء “محاربة التطرف وإنقاذ الأوطان”، استولت المجالس العسكرية على السلطة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. لكن بعد سنوات من هذه الانقلابات، يكشف الواقع على الأرض عن حقيقة مغايرة تماماً:
الأمن ينهار، ونفوذ الجماعات المسلحة يتمدد، بينما توجّه البنادق نحو المعارضين والصحفيين بدلاً من جبهات القتال.
حصاد الفشل: لغة الأرقام
لم تعد منطقة الساحل مجرد نقطة توتر تقليدية، بل تحولت إلى البؤرة الأكثر دموية في القارة السمراء. ووفقاً لبيانات “مركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا”، فإن ميزان القوى يميل بشدة لصالح الفوضى:
9,800 قتيل: حصيلة ضحايا العنف المرتبط بالجماعات المسلحة في الساحل خلال العام الماضي وحده، وهو ما يعادل تقريباً نصف ضحايا هذا العنف في أفريقيا بأكملها.
7 أضعاف: معدل زيادة الوفيات الناتجة عن الهجمات الإرهابية مقارنة بعام 2019 (قبل موجة الانقلابات).
تمدد جغرافي خطير: لم يعد الإرهاب حبيس الصحراء النائية، بل بات يحاصر المدن الكبرى، ويهدد الطرق التجارية الحيوية ومصادر الطاقة والاتصالات.
خريطة التراجع الأمني في دول الساحل الثلاث
- مالي: تمدد الإرهاب وتكميم الأفواه
الوضع الأمني: نجحت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (المرتبطة بتنظيم القاعدة) في توسيع نفوذها جنوباً وغرباً، ونفذت ضربات معقدة وصلت إلى العاصمة باماكو ومناطق كيدال وغاو وموبتي.
الرد السياسي: بدلاً من تطوير القدرات الاستخباراتية وتنسيق الجهود مع الجوار، ركزت السلطة العسكرية جهودها على ملاحقة الخصوم السياسيين، وشنت حملات اعتقال واسعة طالت سياسيين وصحفيين ونشطاء وضباطاً عسكريين بتهم فضفاضة.
- بوركينا فاسو: عين العاصفة الأمنية
الوضع الأمني: باتت البلد الأكثر تضرراً في المنطقة، حيث تستأثر وحدها بنصف وفيات العنف الإرهابي في الساحل. وتكشف عمليات نوعية (مثل حصار واقتحام مدينة تيتاو) عن عجز الجيش والقوات المدنية المساندة له عن فرض السيطرة.
الرد السياسي: اتجهت السلطات العسكرية إلى تصفية المجال العام بالكامل؛ حيث اختفى صحفيون استقصائيون (مثل سيرج أولون)، وتعرّض آخرون للاعتقال أو التجنيد الإجباري، مع إقدام السلطة على حل الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية.
- النيجر: الخطر يطرق أبواب العاصمة
الوضع الأمني: منذ انقلاب يوليو 2023، تصاعدت الهجمات غرب البلاد بفعل تنظيمي “القاعدة” و”داعش في الصحراء الكبرى”، ووصل التهديد إلى منشآت استراتيجية حساسة مثل مطار نيامي الدولي.
الرد السياسي: واصلت السلطة حملتها لقمع المعارضة، وسحبت الجنسية من بعض الناشطين، وفرضت قيوداً مشددة على المسؤولين السابقين، في حين لا يزال الرئيس المعزول محمد بازوم رهن الاحتجاز.
المفارقة الصارخة: بدلاً من مراجعة الإخفاقات العسكرية وإصلاح الخطط الاستخباراتية، تحولت الأولوية القصوى للمجالس العسكرية من “حماية الوطن” إلى “حماية بقاء السلطة” عبر إغلاق المجال السياسي بالكامل وتكميم الأفواه.
أزمة الثقة: لماذا تفشل القوة العسكرية وحدها؟
يرى خبراء الأمن أن دحر الإرهاب في منطقة معقدة كالساحل لا يمكن أن يتم عبر فوهات البنادق فقط، بل يتطلب معادلة ثلاثية الأبعاد:
- بناء الثقة المحلية: كسب ود السكان المحليين لقطع خطوط التجنيد والإمداد عن الجماعات المتطرفة.
- التنمية والخدمات الأساسية: ملء الفراغ الخدمي والتنموي في المناطق المهمشة التي تستغلها الجماعات المسلحة.
- التنسيق الإقليمي: تبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية الحدود المشتركة، وهو ما تضرر كثيراً بعد تصدع التحالفات الإقليمية التقليدية للدول الثلاث.
الساحل أمام مفترق طرق
إن استمرار قمع الأصوات الحرة وإقصاء المجتمع المدني يحرم الحكومات العسكرية من قنوات تواصل استراتيجية وحلول سياسية لا غنى عنها.
فالمعركة في الساحل الأفريقي اليوم تجاوزت حدود الحرب ضد التنظيمات المتطرفة؛ لقد أصبحت صراعاً وجودياً حول بقاء الدولة نفسها وقدرتها على تحقيق الاستقرار دون التضحية بحريات شعوبها وحقوقهم الأساسية.




