أراء وقراءات

عندما يرثي التلميذ أستاذه.. ورحل أسطورة “الديسك المركزي” وصانع جيل العباقرة

بقلم – أشرف توفيق

اليوم، وبعد أكثر من خمسين عاماً، توقف القلم الذي صال وجال في بلاط صاحبة الجلالة لعقود طويلة. توقف المسك الذي صاغ جملاً وعبارات وتشبيهات بليغة وحكايات مضيئة كانت نبراساً لنا جميعاً. غاب الرجل الذي تعلمنا منه الكثير بجسده، لكنه سيظل حاضراً بروحه وبما غرسه في نفوس تلاميذه؛ فقد كان أيقونة صحفية تعيش بيننا، ورحلت برحيله مدرسة صحفية فذة لن تتكرر.

رحل عمنا صالح إبراهيم، الكاتب الصحفي الجهبذ، وأحد الأعمدة الراسخة في بلاط صاحبة الجلالة. غابت القامة والقيمة المهنية التي ظلت على مدار عقود نابضة بالخبر، ومؤمنة بأن الكلمة أمانة قبل أن تكون مجرد مهنة.

أسطورة “الديسك المركزي” وصانع جيل العباقرة

لم يكن أستاذنا الراحل مجرد مدير تحرير لجريدة الجمهورية، بل كان مدرسة قائمة بذاتها داخل المطبخ الصحفي وفي الديسك المركزي. كان “معلماً وأسطى” بالمعنى الحقيقي للكلمة:

  • حاسة صحفية فريدة: كان يعرف الخبر من رائحته، ويمسك بالجملة كما يمسك النحات أدواته ليصقلها ويهذبها ويمنحها الحياة.

  • موهبة بالفطرة لغتها الرصانة: تميز بقوة الملاحظة ودقة الصياغة؛ فلا يمر عنوان من بين يديه إلا ويخرج مصقولاً بحرفية عالية تجذب القارئ وتصون المعنى، فاستحق عن جدارة لقب “ملك العناوين” دون منازع.

  • تأثير ممتد عبر الأجيال: تتلمذت على يديه أجيال متعاقبة من الصحفيين، منهم من صار نجماً لامعاً ومنهم من يخطو خطواته الأولى، لكنهم جميعاً يشتركون في حمل بصمته المهنية وجيناته العبقرية.

“الكلمة أمانة وانضباط”.. دستور مدرسة صالح إبراهيم

لقد تعلمت الأجيال من الراحل الكبير أن الصحافة التزام ومسؤولية، وأن الديسك هو عقل الجريدة وقلبها النابض. كتب الكثير وراجع أكثر، وأصلح ما لا يحصى من النصوص الصحفية دون ضجيج أو حب للظهور.

كان أستاذنا يجد روحه في الكتابة وتشجيع النادي الأهلي -كما كان يبوح لي دائماً-؛ فإذا ضاقت عليه الدنيا، أمسك بسلاحه (قلمه) الذي كان مداده مسكاً وصداه عنبراً ورد فعله ريحاً وريحاناً. كان منحازاً دائماً للخبر الصحيح، والعنوان الشيق الجذاب، واللغة المهذبة السليمة، والعبارات الرصينة ذات الوقع الرنان.

صرامة المهنة وطيبة القلب.. رحيل زمن الصحافة الجذابة

رغم أنه كان لاذعاً في نقده وصارماً في معايير العمل أحياناً، إلا أنه كان طيب القلب، ذو عاطفة جياشة، لا يبخل بالمعلومة أو النصيحة على أحد. وإذا جلس على مكتبه، يظل منكباً على أوراقه يعمل في صمت مهيب، ورغم ذلك كان خفيف الظل، مرح الروح، يحافظ على علاقاته الاجتماعية ويسأل عن الجميع حتى في أقسى لحظات وجعه ومرضه.

“برحيله، نحن لا نفقد شخصاً عادياً فحسب، بل نفقد زمناً جميلاً كانت فيه الصحافة تُصنع بحرفية متناهية، وتُراجع بعين خبيرة، وتخرج للقارئ في أبهى صورة ممكنة.”

سيبقى الراحل الكبير حاضراً بيننا في كل عنوان محكم، وجملة بليغة، وخبر ذي قيمة، وفي وجدان كل صحفي مؤمن بأن الكلمة أمانة رسالية.

رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أسرته وتلاميذه ومحبيه ومريديه الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى