
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في كثير من الأحيان، نجلس لنتابع مباراة كرة قدم، أو نترقب مؤتمراً صحفياً رياضياً، فيخيل إلينا أن الرياضة عالم معزول عن الواقع، مجرد تسلية بكرة مستديرة تنتهي بصافرة الحكم.
لكن الحقيقة التي تفرض نفسها دائماً هي أن الرياضة، وتحديداً كرة القدم، كانت ولم تزل مرآة للشعوب، ومنبراً عفوياً للتعبير عن الهوية والكرامة وحين يخرج رمز رياضي عربي، أو مدرب يحمل جينات الحماس والشجاعة كالعميد والكابتن حسام حسن، ليتحدث بنبض الشارع، فإن كلامه حتى وإن ركز على المستطيل الأخضر يذكرنا دائماً بالمسؤولية الأخلاقية التي يحملها كل عربي في موقع مسؤوليته تجاه قضاياه المصيرية.
إنها الرغبة العارمة في داخل كل منا بأن نرى صوت فلسطين يزلزل كل المحافل، حتى تلك الكرة التي ظن البعض أنها بعيدة عن السياسة.
المجتمع الدولي وعقدة “ازدواجية المعايير”
ما الذي يحتاجه العالم اليوم ليفهم حجم المأساة الفلسطينية؟ إن الموازين الدولية المقررة في ردهات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تبدو أحياناً كأصنام جامدة لا تتحرك إلا لمصالح القوى العظمى.
هذا المجتمع الدولي الظالم، الذي ينتفض في أيام معدودة ليدين صراعاً في بقعة ما من العالم، ويفرض العقوبات ويسير الجيوش، يقف مشلولاً، بل ومتواطئاً في أحيان كثيرة، أمام عقود من الاستيطان، والتهجير، والاضطهاد اليومي الذي يعيشه الطفل والشيخ والمرأة في غزة والضفة والقدس وكل شبر من فلسطين.
هنا يأتي دور “القوة الناعمة “لتغيير موازين القوى العالمية التي لا تتشكل عبر المعاهدات الرسمية أو الخطابات الدبلوماسية التي حفظناها عن ظهر قلب. بل يبدأ التغيير الحقيقي من “وعي الشعوب” فعندما تحضر فلسطين في كبرى المحافل الرياضية، مثل بطولات كأس العالم، نرى الاستفتاء الحقيقي.
نرى الأعلام الفلسطينية ترفرف بأيدي مشجعين من مختلف الجنسيات، ونسمع الهتافات في المدرجات، ونرى اللاعبين يتوشحون بالكوفية الفلسطينية.
هذا الحضور الجماهيري المكثف يمثل صدمة للمنظومة الدولية، لأنه يثبت أن كل مليارات البروباجندا ومحاولات طمس الحقائق وتزييف الوعي قد فشلت وتحطمّت أمام عفوية وحقانية القضية الفلسطينية في قلوب البشر.
المنصات الرياضية حين تصبح صوت للمظلومين
لطالما سعت المؤسسات الرياضية الدولية، وعلى رأسها الفيفا، إلى رفع شعار “فصل الرياضة عن السياسة” وهو شعار يبدو في ظاهره جميلاً ويدعو للمثالية، ولكنه في باطنه يُستخدم كأداة لتكميم الأفواه عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان العربي والمسلم ومع ذلك، أثبتت التجربة التاريخية أن هذا الفصل وهمي؛ فالرياضة هي جزء من حركة المجتمع، والرياضي ليس آلة تركض خلف الكرة، بل هو إنسان يملك مشاعر، ومواطن يحمل هموم وطنه وأمته.
تخيلوا معي لو أن كل مؤتمر صحفي عالمي، وكل منصة يتحدث من خلالها النجوم والرموز الذين تتابعهم الملايين، لتحولت إلى رسائل تذكيرية ذكية وهادئة بمعاناة الشعب الفلسطيني.
إن قوة الكلمة الصادقة النابعة من القلب، عندما تخرج من شخصية كاريزمية ومحبوبة، قادرة على اختراق الحصون الإعلامية التي تبنيها القوى السياسية الظالمة. إنها تضع المواطن الغربي والأجنبي أمام تساؤلات أخلاقية مباشرة: لماذا نغض الطرف هنا وننتفض هناك؟ لماذا يُحرم الرياضي الفلسطيني من أبسط حقوقه في اللعب والأمان بينما يُحتفى بالجلاد؟
إن الرموز الرياضية العربية، سواء كانوا لاعبين في الملاعب الأوروبية أو مدربين يقودون المنتخبات الوطنية، يملكون اليوم “سلاح الوعي” والحديث عن فلسطين في هذه المحافل ليس تسييساً بوجْهٍ غير قانوني، بل هو واجب إنساني تفرضه قيم العدالة والروح الرياضية الحقيقية التي تدعو لنصرة المظلوم ومناهضة العنصرية والاضطهاد بكل أشكاله.
وحدة الشعوب وجدار الوعي الصلب
والله حرام نرى هذا التلاحم العاطفي الكبير أن يظل هذا الأثر حبيس اللحظة الرياضية إن الدرس الأكبر الذي نتعلمه من كل حدث رياضي كبير يجمع العرب، هو أن الهوية العربية واحدة، وأن البوصلة مهما انحرفت يميناً أو يساراً بفعل الأزمات الاقتصادية أو الضغوط السياسية، تعود لتتجه مباشرة نحو القدس.
هذا الوعي الجمعي هو الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع التطبيع والتصفية للقضية.
المجتمع الدولي قد يملك السلاح، ويملك حق الفيتو، ويملك وسائل الإعلام الكبرى، لكنه لا يملك السيطرة على ضمائر الشعوب وحين يرى الساسة في الغرب أن الأجيال الشابة، حتى تلك المهتمة بالكرة والرياضة والتسلية، لا تزال متمسكة بحق فلسطين، يدركون تماماً أن معركتهم لتغييب الوعي معركة خاسرة، وأن موازين القوى وإن بدت لصالحهم عسكرياً ومادياً حالياً هي موازين مهتزة وفاقدة للشرعية الأخلاقية.
نحو استراتيجية إعلامية ورياضية واعية
إن نصرة فلسطين والوقوف في وجه الاضطهاد والظلم الدولي يتطلبان منا استثمار كل المساحات المتاحة حيث يجب ألا نستهين بأي منصة، سواء كانت مقالاً نكتبه، أو كلمة تقال في مؤتمر صحفي، أو علماً يُرفع في مدرج.
كل هذه التفاصيل الصغيرة تتراكم لتشكل جداراً صلباً من الوعي يستعصي على الهدم.
علينا أن نشجع رموزنا الرياضية والثقافية على أن يكونوا سفراء حقيقيين لقضاياهم، وأن يتحدثوا بجرأة وشجاعة وعقلانية تكشف زيف الروايات الأخرى فالقضية الفلسطينية ليست قضية سياسية تحتمل وجهات النظر، بل هي قضية حق واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار؛ شعب طُرد من أرضه ويُمارس بحقه أبشع أنواع الفصل العنصري، وأمة تقف خلفه تسانده بكل ما تملك من مشاعر ودعوات ودعم.
دعونا نبقي هذا الصوت عالياً، ونحافظ على نقاء سريرتنا وثقتنا بأن الحق لا يموت ما دام وراءه مطالب، وأن الساحرة المستديرة، مثلها مثل كل شبر في هذا العالم، ستظل تنطق بالعروبة وبفلسطين حتى يرفع الظلم ويعود الحق لأصحابه.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية










