الصراط المستقيم

رسالة إلى الأشاعرة (2)إثبات صفة الكلام على الحقيقة بصوت مسموع وحرف لله تبارك وتعالى

تجسد رسائل العلماء والدعاة مسارات مضيئة لتصحيح المفاهيم العقدية وإرساء القواعد المنهجية المستمدة من الكتاب والسنة. وفي هذا السياق، تأتي رسالة الشيخ محمد محمود عيسى الثانية الموجهة إلى الأشاعرة لتسليط الضوء على قضية بالغة الأهمية تتعلق بإثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى على حقيقتها بصوت مسموع وحرف، رداً على ما ذهب إليه المتكلمون في نفي ذلك واعتمادهم لمفهوم “الكلام النفسي”.

ومن خلال هذا الطرح الموثق بالأدلة، يحرص موقع وضوح الإخباري على تقديم قراءة تحليلية موضوعية تبين أدلة أهل السنة والجماعة، وتدعو إلى التمسك بظاهر النصوص واتباع منهج السلف الصالح والمفسرين الأجلاء بكل أمانة وعلمية.

أولاً: تفنيد عقيدة “الكلام النفسي” للأشاعرة ومخالفتها لظاهر النصوص

تدور عقيدة الأشاعرة في باب صفات الله عز وجل حول نفي الكلام الحقيقي المرفق بصوت مسموع أو حرف، حيث ذهبوا إلى القول بأن ما ورد في النصوص هو “كلام نفسي” قائم بذات الله تعالى، وهو ما اعتبره المحققون اختراعاً وتأويلاً بعيداً عن دلالات لغة العرب وفهم السلف. بل إن بعضهم زعم أن جبريل عليه السلام يتلقى ذلك “الكلام النفسي” من الله تعالى ويوصله لمن يريده.

وفي مقابل ذلك، تقف الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة سداً منيعاً أمام هذه التأويلات، مؤكدة أن رب العالمين يتكلم متى شاء وكيف شاء بحرف وصوت يسمعه من أذِن له سبحانه، دون تشبيه أو تمثيل، ودون إفراغ للنصوص من مضامينها الحقيقية التي فهمها الصحابة والتابعون.

ثانياً: الأدلة القرآنية القاطعة على إثبات الكلام الحقيقي لله تعالى

استندت رسالة الشيخ محمد عيسى  إلى باقة محكمة من آيات الذكر الحكيم التي تثبت صفة الكلام لله على الحقيقة لا المجاز. ومن أبرزها قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) [سورة النساء: 164]، حيث أتى المولى عز وجل بالمصدر (تكليماً) ليؤكد الفعل قطعاً ورفعاً لكل احتمال مجازي، وهو ما أجمعت عليه تفاسير أئمة التفسير كالقرطبي، وابن كثير، والطبري، والبغوي، والوسيط، والميسر، والسعدي، فضلاً عن إجماع النحويين على أن المصدر يؤكد وقوع الفعل حقيقة. كما استدلت بآيات أخرى كقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) [سورة الأعراف: 143]، وآية الشورى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلَّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ) [سورة الشورى: 51]، وآيات النداء والتكليم في سورتي الشعراء والأعراف، مما يقطع بأن التكليم كان بصوت مسموع ومباشر دون وسيط في بعض المواضع.

ثالثاً: براهين السنة النبوية الصحيحة في إثبات الصوت والحرف

لم تقتصر الأدلة على القرآن الكريم فحسب، بل جاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكد وتفصل هذه العقيدة بوضوح تام عبر أحاديث صحيحة لا مساغ لردها. فقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلِّمُه اللهُ يومَ القيامةِ، ليس بينه وبينه تُرجُمانٌ)، وفي حديث الشفاعة الطويل في الصحيحين مخاطبة الله لآدم عليه السلام وقوله عز وجل: (وعِزَّتي وجَلَالِي، وكِبْرِيَائِي وعَظَمَتي لأُخْرِجَنَّ منها مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ)، إضافة إلى حوار الله تعالى مع آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة، وحديث النجوى الذي يقرب الله فيه المؤمن ويستر عليه ويكلمه على انفراد بلا واسطة. وتؤكد هذه النصوص المتواترة في المعنى أن كلام الله تعالى يوم القيامة وفي مواطن أخرى يكون بصوت مسموع وحرف صريح يسمعه العبد بلا ترداد أو ترجمان.

رابعاً: دعوة صادقة للرجوع إلى الحق والتأصيل العلمي المنهجي

اختتم الشيخ محمد محمود عيسى رسالته بنداء إيماني مخلص ومفعم بالمحبة والحرص على الهداية، موجهاً خطابه إلى المخالفين من المعطلين والمؤولين للعدول عن التأويلات المحدثة والرجوع إلى منابع الحق الصافية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. مؤكداً أن الاستدلال بكلام الله ووصف القرآن بأنه كلام الله الحقيقي كما في قول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [سورة التوبة: 6]، يفرض على كل مسلم التسليم المطلق لنصوص الوحيين بفهم السلف الصالح، مع التأكيد دائماً على أن ما يجمع الأمة الإسلامية من ثوابت كبرى هو الأساس الذي تتكسر عنده كل الفرقة والشتات.

زر الذهاب إلى الأعلى