عندما يرصد المستطيل الأخضر استفتاء الجماهير العربية للوحدة (1) عربيٌّ واحد… وقلبٌ ينبض بالإيقاع ذاته

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
هناك لحظات نادرة في حياة الأمم لا تحتاج إلى خطب سياسية، ولا إلى بيانات رسمية، ولا إلى قمم تعقد خلف الأبواب المغلقة، لتثبت أن ما يجمع الشعوب أكبر بكثير مما يفرقها لحظات تتحدث فيها القلوب قبل الألسنة، وتُرفع فيها الأعلام دون أن يسأل أحد عن الحدود، ويصبح الفرح لغةً لا تحتاج إلى مترجم.
كأس العالم 2026 كان إحدى تلك اللحظات
فمع اتساع البطولة إلى ثمانية وأربعين منتخبًا، لم يكن الحدث مجرد تطور في نظام المنافسة، بل كان مناسبة كشفت وجهًا آخر للعالم العربي؛ وجهًا ظل مختبئًا خلف ضجيج السياسة، وتراكمات الخلافات، وحدود الجغرافيا.
فجأة، وجد ملايين العرب أنفسهم يقفون في صف واحد، لا لأن أحدًا دعاهم إلى ذلك، بل لأن الفطرة سبقت كل الدعوات، ولأن الانتماء الحقيقي خرج من القلب قبل أن يُكتب في البيانات.
ثماني منتخبات عربية حملت راياتها إلى أكبر محفل كروي على وجه الأرض ثمانية قمصان بألوان مختلفة، لكنها حملت رسالة واحدة.
ثمانية أناشيد وطنية، لكنها أيقظت شعورًا عربيًا واحدًا، جعل الجماهير تتعامل مع كل مباراة وكأنها مباراة تخصها شخصيًا، بغض النظر عن اسم المنتخب أو موقعه على الخريطة.
قوة الجماهير العربية
في تلك الأيام، لم يكن المصري يشجع مصر وحدها، ولا المغربي يكتفي بالمغرب، ولا السعودي يقف خلف منتخب بلاده فقط أصبح الانتصار العربي انتصارًا للجميع، وأصبحت الهزيمة وجعًا يتقاسمه الجميع .فقد كانت المدرجات تقول شيئًا، وكانت الشوارع العربية تقول شيئًا أكبر: لتؤكد أنه ما زال ينبض في هذه الأمة نبض واحد، مهما حاولت السنوات أن تخفيه.
ولعل أجمل ما في هذه البطولة أنها لم تُظهر قوة المنتخبات العربية فقط، بل كشفت عن قوة الشعوب نفسها فقد أثبتت الجماهير أنها قادرة على تجاوز كل الخلافات المصطنعة عندما تجد قضية تجمعها وما جمعها هذه المرة لم يكن مشروعًا سياسيًا ولا اقتصاديًا، بل كرة صغيرة من الجلد، تدور فوق عشب أخضر، فتدور معها مشاعر مئات الملايين.
المقاهي والمدرجات: استفتاء شعبي تلقائي
من يراقب المقاهي العربية أثناء مباريات كأس العالم، يكتشف أنه أمام ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة في القاهرة، والرباط، والرياض، وبغداد، وعَمّان، والجزائر، وتونس، والدوحة، ونواكشوط، ومسقط، وكل بلادنا العربية كانت الشاشات تعرض المباراة نفسها، وكانت القلوب تخفق بالإيقاع ذاته.
لم يعد السؤال: “من تشجع؟”
بل أصبح السؤال: “متى يلعب منتخبنا العربي القادم؟”
ذلك التحول البسيط في صياغة السؤال يحمل في داخله دلالة عميقة لقد تراجع الانتماء المحلي قليلًا، ليفسح المجال لانتماء أوسع، يشعر فيه العربي بأن نجاح أي منتخب عربي هو نجاح لصورة الأمة كلها أمام العالم.
وفي المقاهي الشعبية، اختفت الفوارق الاجتماعية فقد جلس العامل بجوار الطبيب، والطالب بجوار التاجر، والغني بجوار الفقير، يتبادلون الدعاء نفسه، وينتظرون الهدف نفسه، ويحتفلون بالفرحة نفسها.
لم يكن أحد يسأل الآخر عن مذهبه أو قبيلته أو انتمائه السياسي، لأن الجميع كانوا ينتمون في تلك اللحظة إلى شيء أكبر… إلى حلم عربي مشترك.
أما المدرجات، فقد قدمت صورة ربما تعجز عنها عشرات المؤتمرات الدولية رأينا المشجع المغربي يرفع علم الأردن، والمصري يرتدي قميص الجزائر، والعراقي يهتف للسعودية، والتونسي يحتفل بهدف سجله المنتخب القطري، والخليجي يصفق لفوز منتخب من شمال أفريقيا.
لم يكن ذلك مجاملة، ولم يكن حملة إعلامية منظمة، بل كان تعبيرًا تلقائيًا عن شعور ظل ساكنًا في الأعماق سنوات طويلة، ينتظر لحظة مناسبة ليخرج إلى النور.
كثيرون يعتقدون أن الوحدة لا تتحقق إلا عبر الاتفاقيات، لكن الشعوب أثبتت أن الوحدة تبدأ أولًا من المشاعر وإذا توحدت القلوب، أصبحت بقية الخطوات أكثر سهولة.
كرة القدم من أهم أدوات القوة الناعمة
كرة القدم ليست مجرد رياضة، بل أصبحت واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة في العالم إنها قادرة على إعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول، وبناء جسور بين الثقافات، وإنتاج مشاعر جماعية يصعب على أي وسيلة أخرى صناعتها.
لهذا لم يكن غريبًا أن تتحول مباريات المنتخبات العربية إلى مناسبات وطنية وقومية، في الوقت نفسه كل هدف كان يكتب قصة جديدة، وكل تصدٍ بطولي كان يزرع الأمل في نفوس الملايين، وكل انتصار كان يعيد إلى الذاكرة أن هذه الأمة، رغم كل ما مرت به، ما زالت تمتلك القدرة على الفرح الجماعي.
لكن وسط هذه المشاهد المبهجة، كان سؤال مؤلم يفرض نفسه بإلحاح.
إذا كانت كرة القدم استطاعت أن تجمع هذا العدد الهائل من العرب خلال تسعين دقيقة، فلماذا تعجز حياتنا اليومية عن المحافظة على هذا القدر من التقارب؟
كيف أصبح الانتقال بين بعض العواصم العربية أكثر تعقيدًا من السفر إلى قارات بعيدة؟
كيف يستطيع المشجع العربي أن يهتف بحماس لمنتخب عربي لا يعرف منه إلا اسمه، بينما تقف الحدود والإجراءات والعوائق أمام أبسط أشكال التواصل بين أبناء الأمة الواحدة؟
درس المونديال واستفتاء التقارب العربي
إن هذه الأسئلة لا تنتقص من أحد، لكنها دعوة صادقة للتأمل فما رأيناه في كأس العالم لم يكن مجرد حماس رياضي عابر، بل كان استفتاءً شعبيًا واسعًا على فكرة التقارب العربي استفتاء لم تُفتح له صناديق اقتراع، بل فُتحت له القلوب قالت الجماهير كلمتها بوضوح:
- قالتها في المدرجات.
- وفي الشوارع.
- وفي المقاهي.
- وعلى منصات التواصل.
وعبر ملايين الصور التي جمعت أعلامًا عربية متعددة في يد مشجع واحد كانت الرسالة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الشعوب أقرب إلى بعضها مما يظن كثيرون.
قد لا تستطيع كرة القدم أن تحل الأزمات السياسية، ولا أن تنهي النزاعات، ولا أن تصنع وحدها مستقبلًا جديدًا، لكنها قادرة على تذكيرنا بحقيقة كثيرًا ما ننساها؛ وهي أن ما يجمع العرب من تاريخ، ولغة، وثقافة، ووجدان، ودين، أكبر بكثير من كل ما يفرقهم.
الهوية العربية إحساس حي يعيش في داخل الناس
ولعل أجمل ما كشفه هذا المونديال أن الهوية العربية ليست شعارًا يرفع في المناسبات، بل إحساس حي يعيش في داخل الناس إحساس يظهر عندما يفرح طفل في غزة بهدف يسجله لاعب من الخليج، أو يبكي شاب في الدار البيضاء لخسارة منتخب من المشرق، أو يدعو أب في القاهرة بالتوفيق لفريق لم يزره يومًا، لكنه يشعر أنه يمثله هذه ليست مجرد كرة قدم.
- إنها ذاكرة مشتركة.
- وحلم مشترك.
- وفرح مشترك.
وإثبات جديد على أن القلب العربي، مهما تفرقت به الطرق، ما زال يعرف طريقه إلى القلب العربي الآخر.
ومع إسدال الستار على البطولة، عادت الجماهير إلى أعمالها، وتبقى النتائج في سجلات التاريخ لكن هناك شيئًا يجب ألا ينتهي مع صافرة الختام؛ ذلك الشعور النبيل الذي جعل العربي يرى في نجاح أخيه نجاحًا له، وفي فرحه فرحًا شخصيًا.
مشروع حضاري يليق بتاريخ الأمة ومستقبل أجيالها
ليت هذا التصفيق الذي دوّى في المدرجات يبقى حاضرًا في ميادين العلم، والاقتصاد، والثقافة، والابتكار، والعمل المشترك وليت الحماسة التي جمعتنا خلف كرة قدم تصبح حافزًا يجمعنا خلف مشروع حضاري يليق بتاريخ هذه الأمة ومستقبل أجيالها.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تحققه داخل الملاعب، بل بما تستطيع أن تبنيه خارجها وكأس العالم، بكل ما حمله من مشاعر صادقة، منحنا درسًا لا ينبغي أن ننساه: أن الوحدة ليست حلمًا مستحيلًا، بل واقعًا يظهر كلما صدقت النيات، وسقطت الحواجز التي صنعناها بأيدينا.
وربما سيأتي يوم يقرأ فيه أبناؤنا عن مونديال 2026، فلا يتذكرون فقط عدد المنتخبات المشاركة أو نتائج المباريات، بل يتذكرون أنه كان البطولة التي أعادت اكتشاف القلب العربي، وأثبتت أن هذه الأمة، مهما اختلفت راياتها، فإنها حين تفرح… تفرح بقلب واحد، وحين تحلم… تحلم بمستقبل واحد.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن كرة القدم لم تصنع وحدتنا، بل كشفت عن المرآة التي رأينا فيها أنفسنا كما ينبغي أن نكون؛ إخوة قبل أن نكون منافسين، وشركاء في الأمل قبل أن نكون أبناء دول مختلفة فإذا كانت تسعون دقيقة قادرة على أن تزيل من بيننا كل هذه المسافات، فكم نحتاج من الإرادة لنصنع واقعًا يليق بما رأيناه؟ إن الأوطان تكبر حين تكبر قلوب أبنائها، والأمة تنهض حين تؤمن أن قوتها في اجتماعها لا في تفرقها وسيبقى ذلك الهتاف الذي خرج من أعماق الملايين، دون ترتيب أو توجيه، شاهدًا على حقيقة لا تموت: قد تختلف الأعلام، وقد تتباين اللهجات، لكن القلب العربي، حين يخفق للخير والكرامة والفرح، لا يعرف إلا إيقاعًا واحدًا… عربيٌّ واحد… وقلبٌ واحد.
ودائما نقول
ما يجمع العرب أكبر مما يفرقهم فالهوية العربية لم تمت إنها قادمة
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية









