أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (30) كيف يصنع الإهمال أممًا ضائعة؟

تجربة الدكتور عبد الرحمن السميط في كسر دائرة الحرمان

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

تكتسب قراءة تجارب التنمية الإنسانية في أفريقيا أهمية استثنائية مع تسليط الضوء على آثار الإهمال التراكمي وتأثيره في ضياع الأمم، وذلك عبر استلهام محطات مفصلية من مسيرة الراحل الدكتور عبد الرحمن السميط الذي نُعت بـ “فاتح أفريقيا الجديد”، والتي استعرضها السفير د. أحمد سمير (أيقونة الاتزان، عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة، السفير الأممي للشراكة المجتمعية، ورئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية) كنموذج لإحداث الفارق وتحويل العمل الخيري إلى استراتيجية استدامة تنموية.

رحلة ملاوي 1980: التحول من الإغاثة إلى التنمية المؤسسية

في عام 1980، ذهب الدكتور عبد الرحمن السميط إلى ملاوي لم تكن تلك الزيارة بالنسبة إليه مجرد رحلة إلى بلد إفريقي بعيد، ولا محطة عابرة في حياة طبيب وداعية اعتاد السفر والعمل، بل كانت شيئًا آخر.

رأى الأشياء هناك بصورة مختلفة، وبمكبر رؤية يُكَبِّرُ آلاف المرات عما هي عليه داخل المجتمع العربي فلم يكن الفقر مجرد إنسان لا يملك المال، بل مجتمعًا حُرم من أشياء كثيرة في وقت واحد: من التعليم، ومن الرعاية الصحية، ومن المياه، ومن فرص العمل، ومن القدرة على بناء مستقبل مختلف.

كانت تلك الزيارة نقطة تحول في مسيرته؛ لذا عندما عاد السميط إلى الكويت، لم يعد الشخص نفسه فبدأ مع مجموعة من الشباب تكوين لجنة مسلمي ملاوي، ثم تطور المشروع لاحقًا إلى لجنة مسلمي إفريقيا، قبل أن تصبح جمعية العون المباشر الان.

مع مرور السنوات، لم يعد الأمر مجرد مبادرات فردية، بل تحول إلى عمل مؤسسي واسع في مجالات التعليم والصحة، والمياه، والزراعة، والتنمية.

مخاطر تراكم الإهمال

وهنا ربما يجب أن نتوقف عند السؤال الذي لا نحب كثيرًا أن نسمعه:

ماذا يحدث عندما نهمل الإنسان طويلًا؟

الإجابة ليست أن الإنسان يبقى فقيرًا فقط فالإهمال لا يترك الإنسان في المكان نفسه، بل سوف يأخذه إلى مكان أسوأ:

  • فالفقر الذي نراه اليوم قد يكون نتيجة سنوات من الإهمال.
  • والجهل الذي نشتكي منه اليوم قد يكون طفلًا لم يجد مدرسة بالأمس.
  • والمرض الذي نراه اليوم قد يكون نتيجة قرية لم تجد مركزًا صحيًا منذ سنوات.
  • والبطالة التي تخنق الشباب قد تكون نتيجة جيل لم يحصل على فرصة ليتعلم أو يتدرب أو يعمل.

هكذا تبدأ الحكاية إهمال صغير ثم إهمال آخر ثم يصبح الإهمال نظامًا وحين يتحول الإهمال إلى نظام، تبدأ الأمم في دفع الثمن.

نحن نميل إلى التعامل مع الأزمات وكأنها ظهرت فجأة:

  • نرى مجتمعًا فقيرًا فنقول: إنهم فقراء.
  • نرى طفلًا خارج المدرسة فنقول: إنه لا يتعلم.
  • نرى قرية بلا ماء فنقول: إنها منطقة نائية.
  • نرى مريضًا بلا علاج فنقول: لا توجد إمكانات.

لكننا نادرًا ما نطرح السؤال الأصعب: كيف وصلوا إلى هنا؟

لأن السؤال عن البداية أكثر إزعاجًا من الحديث عن النتيجة.

  • الإهمال لا يملك وجهًا واحدًا.
  • أحيانًا يكون الإهمال قرارًا.
  • وأحيانًا يكون تأجيلًا.
  • وأحيانًا يكون تجاهلًا.
  • وأحيانًا يكون اعتقادًا أن المشكلة ليست مسؤوليتنا.

وأحيانًا يكون أخطر من ذلك كله: أن نعرف المشكلة… ثم نعتاد عليها وهنا تبدأ الكارثة.

  • حين يصبح طفل بلا مدرسة مشهدًا عاديًا، يبدأ المجتمع في فقدان حساسيته.
  • حين تصبح امرأة تمشي ساعات للحصول على الماء أمرًا طبيعيًا، يصبح الحرمان جزءًا من الحياة.
  • حين يصبح المرض بلا علاج أمرًا معتادًا، يتوقف الناس عن السؤال: لماذا؟

وحين يتوقف السؤال، يصبح الإهمال أقوى لأن المشكلة هنا لا تعود مجرد نقص في الموارد تصبح نقصًا في الإحساس.

التنمية المتكاملة: ربط التعليم والصحة والمياه لبناء الإنسان

وهذا ربما كان من أكثر الأشياء التي فهمها السميط في تجربته الإفريقية لم ينظر إلى الإنسان باعتباره نتيجة نهائية للفقر.

كان يبحث عن الأسباب لهذا لم يكتفِ بالطعام ولا بالمساعدة المؤقتة ولا بالمشروع الذي ينتهي بانتهاء التمويل.

بل اتجه إلى التعليم والصحة والمياه والزراعة وتنمية الموارد البشرية، لأن الفقر في نظر العمل التنموي ليس حفرة تُملأ بمساعدة واحدة، بل منظومة تحتاج إلى تدخلات متعددة ومستمرة.

وهنا يظهر الفرق بين من يعالج الألم ومن يحاول أن يمنع تكراره.

الإهمال يبدأ غالبًا بجملة تبدو بريئة:

  • ليس الآن.
  • ليس لدينا الوقت.
  • ليس لدينا المال.
  • ليست هذه الأولوية.
  • هناك مشكلات أكبر.
  • سنعود إليها لاحقًا.

لكن كلمة «لاحقًا» قد تكون أحيانًا أكثر الكلمات قسوة في حياة الإنسان:

  • لأن الطفل لا ينتظر.
  • والمرض لا ينتظر.
  • والجوع لا ينتظر.
  • والعمر لا ينتظر.

والمجتمعات التي تؤجل بناء الإنسان، لا تجمّد الزمن:

  • الزمن يستمر.
  • والأطفال يكبرون.
  • والفرص تضيع.
  • والفجوات تتسع.

ثم نكتشف بعد عشرين عامًا أننا لا نواجه مشكلة جديدة، بل نواجه فاتورة عشرين عامًا من التأجيل.

فرق كبير بين الفقر وبين صناعة الفقر

هناك فرق كبير بين الفقر وبين صناعة الفقر

الفقر قد يكون نتيجة ظرف قاسٍ لكن استمرار الفقر لعقود يحتاج إلى أكثر من ظرف:

  • يحتاج إلى غياب التعليم.
  • وضعف الصحة.
  • ونقص المياه.
  • وقلة الفرص.
  • وغياب البنية الأساسية.
  • وانهيار القدرة على الإنتاج.

وكل حلقة من هذه السلسلة تقوي الحلقة الأخرى فالطفل عندما لا يذهب إلى المدرسة يكبر دون مهارة وبسبب عدم المهارة أو قلتها يجد عملًا محدودًا أو لا يجد فتزداد احتمالات فقر أسرته ثم يولد من نسله أطفال في البيئة نفسها ثم تبدأ الدورة من جديد.

وهنا يصبح السؤال: هل كان الطفل فقيرًا؟

أم أننا سمحنا للفقر بأن يرثه؟

هذه هي خطورة الإهمال أنه لا يسرق الحاضر فقط، بل يجعل الحرمان قابلًا للتوريث.

لذلك كان التعليم في تجربة السميط أكثر من مشروع كان محاولة لكسر السلسلة.

فالطفل الذي يدخل المدرسة لا يحصل على كتاب فقط يحصل على فرصة والفرصة قد تتحول إلى مهارة والمهارة إلى عمل والعمل إلى استقلال والاستقلال إلى أسرة أكثر قدرة على حماية نفسها من الفقر.

هكذا يصبح مقعد صغير في فصل دراسي جزءًا من معركة أكبر بكثير.

معركة ضد أن يولد الإنسان فقيرًا ثم يموت فقيرًا لأن العالم قرر أن مكان ميلاده يجب أن يحدد مصيره.

دور البئر في العمل التنموي الحقيقي

والماء أيضًا ليس مجرد بئر فإحضار الماء يستنزف الوقت والجهد فالماء وقت والوقت حياة.

حين تضطر امرأة إلى قطع مسافات طويلة للحصول على الماء، فأنت لا تحرمها من الماء فقط أنت تأخذ من يومها ساعات وقد تأخذ من تعليمها ومن عملها ومن رعاية أطفالها ومن قدرتها على بناء حياة أفضل.

والطفل الذي يحمل الماء بدل أن يحمل حقيبته المدرسية، لا يخسر ساعات من يومه فقط قد يخسر جزءًا من مستقبله.

لهذا فإن البئر، في العمل التنموي الحقيقي، يمكن أن يكون مشروعًا اقتصاديًا وتعليميًا وصحيًا واجتماعيًا في الوقت نفسه.

هنا نفهم لماذا كان السميط يربط بين المشاريع بدل أن ينظر إليها كجزر منفصلة لأن الإنسان نفسه ليس مجموعة مشكلات منفصلة إنه حياة واحدة.

أما الصحة، فهي الوجه الآخر للقصة.

  • ما قيمة مدرسة لا يستطيع الطفل الوصول إليها لأنه مريض؟
  • وما قيمة بئر إذا كانت المياه غير آمنة؟
  • وما قيمة العمل إذا كان المرض يحصد القدرة على الإنتاج؟

لهذا كانت الرعاية الصحية في تجربة العمل الإفريقي للسميط جزءًا من بناء الإنسان، لا مجرد استجابة لحالة مرضية.

وهذا مهم جدًا لأن التنمية الحقيقية لا تسأل: ما المشكلة التي نراها؟

بل تسأل: ما المنظومة التي أنتجت هذه المشكلة؟

أخطر أنواع الإهمال

لكن أخطر أنواع الإهمال ليس إهمال الحكومات والمؤسسات فقط.

هناك إهمال فردي أيضًا

  • أن ترى إنسانًا محتاجًا وتقول: سيأتي غيري ليساعده
  • أن ترى طفلًا يحتاج إلى تعليم وتقول: هذه مسؤولية المدرسة.
  • أن ترى مريضًا لا يستطيع العلاج وتقول: هذه مسؤولية الدولة.
  • أن ترى مجتمعًا ينهار وتقول: هذه مسؤولية المؤسسات.

قد تكون كل هذه الجمل صحيحة جزئيًا لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى طريقة للهروب من الجزء الذي نستطيع القيام به.

عبد الرحمن السميط لم يكن يملك وحده القدرة على حل مشكلات إفريقيا لم يكن يستطيع تغيير قارة كاملة لكنه استطاع أن يبدأ.

وهذا هو الفارق بين الإنسان الذي يرى حجم المشكلة فيستسلم والإنسان الذي يرى حجم المشكلة ثم يسأل: ما الذي أستطيع أن أفعله؟

لقد بدأ من ملاوي، ثم اتسع العمل المؤسسي إلى دول عديدة في إفريقيا، حتى أصبحت المؤسسة التي أسسها تعمل في عشرات الدول، وامتد نشاطها إلى التعليم، والصحة، والمياه، وغيرها.

لم يكن المطلوب منه أن يصلح كل شيء كان المطلوب أن يرفض فكرة أن لا شيء يمكن إصلاحه.

وهنا نصل إلى الحقيقة الأكثر إيلامًا: الأمم لا تضيع في يوم واحد الأمم تضيع بالتدريج حين يصبح الجهل طبيعيًا والمرض عاديًا والفقر مألوفًا والفساد مقبولًا. والتأجيل أسلوبًا والصمت حكمة واللامبالاة نوعًا من الواقعية ثم يأتي يوم نكتشف فيه أن جيلًا كاملًا نشأ داخل هذه الظروف.

هنا يصبح تغيير الواقع أصعب لأنك لم تعد تعالج مشكلة أنت تعالج ثقافة تشكلت حول المشكلة.

وهذا هو الفرق بين إنقاذ إنسان من أزمة، وبين إنقاذ مجتمع من الإهمال.

العمل المؤسسي يضمن استدامة الخير 

 لم يكن السميط مجرد رجل يقدم المساعدة الأهم أنه حاول أن يجعل الخير أكثر مؤسسية واستدامة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن المشكلة الكبيرة لا يمكن أن تُواجه بعاطفة كبيرة فقط.

العاطفة تشعل البداية لكن النظام يحمي الاستمرار والنية تفتح الباب لكن التخطيط يمنع المشروع من الانهيار والتبرع قد يبني مدرسة لكن المؤسسة الجيدة تضمن أن المدرسة تستمر وهكذا يتحول الخير من رد فعل إلى استراتيجية.

ربما لهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم

  • ليس: لماذا توجد أمم فقيرة؟

بل: كم سنة أهملناها قبل أن تصبح فقيرة؟

  • وليس: لماذا لم يتعلم هذا الطفل؟

بل: من الذي كان يستطيع أن يمنحه فرصة ولم يفعل؟

  • وليس: لماذا لا تستطيع هذه القرية أن تنهض؟

بل: كم بابًا كان يمكن أن نفتح لها ولم نفتحه؟

هذه الأسئلة مؤلمة لكنها ضرورية لأن الاعتراف بالمسؤولية هو أول خطوة في طريق الإصلاح.

في النهاية، الإهمال ليس غياب الفعل فقط أحيانًا يكون الإهمال فعلًا متكررًا:

  • أن تعرف ولا تتحرك.
  • أن ترى ولا تسأل.
  • أن تسمع ولا تستجيب.
  • أن تؤجل ما تستطيع فعله اليوم إلى غد قد لا يأتي.

والأمم لا تضيع لأن مشكلة واحدة هزمتها، بل تضيع حين تتراكم المشكلات الصغيرة، ويعتاد الناس وجودها، ثم يتوقفون عن الإيمان بأن تغييرها ممكن.

جوهر رسالة السميط 

لهذا كانت رسالة السميط، في جوهرها، أعمق من بئر أو مدرسة أو مستشفى     كانت تقول:

  • لا تترك الإنسان وحده أمام مصيره.
  • لا تسمح للجوع أن يصبح طبيعيًا.
  • ولا للجهل أن يصبح قدرًا.
  • ولا للمرض أن يصبح عادة.
  • ولا للفقر أن يصبح ميراثًا.
  • ولا للصمت أن يصبح قبولًا.

لأن الإنسان حين يجد من يؤمن بحقه في الحياة، يبدأ هو نفسه في الإيمان بها من جديد وربما هذا هو أجمل ما يمكن أن نفعله في هذه الحياة:

  • أن نصل إلى إنسان قبل أن يقنعه الإهمال بأنه لا يستحق الوصول.
  • أن نمسك بيد طفل قبل أن يتحول الحرمان إلى شخصيته.
  • أن نفتح نافذة في جدار أغلق عليه الزمن كل الأبواب.

فالأمم لا تُبنى فقط بالمشروعات الكبرى تُبنى حين يتوقف الإنسان عن اعتبار معاناة الآخرين شأنًا لا يعنيه وحين يصبح الخير مسؤولية.

وحين نفهم أن كل طفل لم يتعلم، وكل مريض لم يجد علاجًا، وكل قرية بقيت بلا ماء، ليست مجرد أرقام في تقرير بل فرصة ضاعت والفرص، مثل الأعمار، لا تعود.

لهذا ربما يكون أعظم درس تركه عبد الرحمن السميط لنا هو أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من ينقذه من الحياة، بقدر ما يحتاج إلى من يمنحه فرصة عادلة ليصنع حياته بنفسه.

وحين نعطيه هذه الفرصة، فنحن لا نساعد فردًا فقط بل نمنع أمة كاملة من أن تضيع.

فالإهمال يبني جدارًا فوق جدار أما الإنسان الصادق، فيبدأ أحيانًا بثقب صغير في هذا الجدار ليدخل منه الضوء وحين يدخل الضوء لا تعود العتمة قدرًا.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى