*في زمن التفاعل الرقمي… هل تغلبت الإثارة على المصداقية؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
لم يعد نجاح المحتوى في العصر الرقمي مرتبطًا فقط بجودته أو دقته أو أهميته، بل أصبح مرتبطًا بدرجة أكبر بقدرته على جذب الانتباه وإثارة التفاعل… فبين آلاف المنشورات والأخبار ومقاطع الفيديو التي تتدفق يوميًا عبر الشاشات، لا يفوز بالانتشار دائمًا الأكثر صحة، بل غالبًا ما يحظى بالأولوية الأكثر إثارة والأقدر على تحريك المشاعر.
*من الحقيقة إلى اقتصاد الانتباه
في عالم تحكمه الخوارزميات وتتنافس فيه المنصات على جذب المستخدمين لأطول فترة ممكنة، أصبحت المشاهدات والإعجابات والتعليقات والمشاركات عملة رقمية ثمينة، وظهر ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، حيث أصبحت المنافسة الحقيقية تدور حول جذب انتباه الجمهور أكثر من تقديم المعرفة أو الحقيقة.
*اقتصاد الانتباه: عندما يصبح الانتباه سلعة
تسعى المنصات الرقمية إلى إبقاء المستخدم متصلًا لأطول وقت ممكن، لأن بقاءه يعني مزيدًا من المشاهدات والإعلانات والتفاعل، ولهذا تُصمم الخوارزميات لتفضيل المحتوى القادر على إثارة ردود فعل قوية.
فالخبر الصادم، أو العنوان المثير، أو المعلومة الغريبة، غالبًا ما تحظى بفرصة انتشار أكبر من تقرير هادئ يعتمد على الحقائق والأرقام والتحليل المتوازن.
وهكذا أصبح الانتباه موردًا نادرًا تتنافس عليه آلاف الرسائل يوميًا، وأصبح المحتوى الذي يثير الفضول أو الغضب أو الدهشة أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور من المحتوى الدقيق والمتزن.
*لماذا تنتشر الأخبار المثيرة بسرعة؟
يميل الإنسان بطبيعته إلى الالتفات لما يهدد أو يفاجئ أو يثير مشاعره… ولذلك فإن الأخبار التي تتضمن عنصرًا من الصدمة أو الجدل أو الخوف تكون أكثر قابلية للمشاركة وإعادة النشر.
فعندما يقرأ المستخدم عنوانًا مثيرًا أو خبرًا يثير القلق أو الغضب، فإنه غالبًا ما يتفاعل معه بشكل أسرع، سواء بالتعليق أو المشاركة أو النقاش… ومع كل تفاعل جديد، تمنح الخوارزميات هذا المحتوى مزيدًا من الانتشار.
أما المعلومات الدقيقة والمتوازنة فتحتاج عادة إلى وقت للفهم والتحليل، وهو ما يجعلها أقل قدرة على منافسة المحتوى السريع والمثير في بيئة رقمية تعتمد على السرعة والانفعال.
*الحقيقة في مواجهة الخوارزميات
المشكلة لا تكمن فقط في انتشار الأخبار المثيرة، بل في أن بعض المعلومات المضللة تستفيد من الآليات نفسها التي تساعد على الانتشار.
فكلما كان المحتوى قادرًا على إثارة الانفعال، زادت فرص ظهوره أمام عدد أكبر من المستخدمين، بغض النظر عن مدى دقته أو مصداقيته.
*التضليل الرقمي وصناعة الوهم الجماعي
وهنا تظهر مفارقة خطيرة: فقد تنتشر معلومة غير صحيحة إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت أطول حتى تصل إلى الجمهور وتصحح الانطباعات الخاطئة.
ولعل هذا ما يفسر كيف يمكن لشائعة واحدة أن تحقق انتشارًا هائلًا قبل أن تظهر الحقائق الكاملة.
*من صناعة المعرفة إلى صناعة التفاعل
في كثير من الأحيان، أصبح الهدف الأساسي لبعض صناع المحتوى ليس تقديم المعلومات، بل تحقيق أكبر قدر من التفاعل. ولذلك تنتشر عناوين من نوع:
▪️”لن تصدق ما حدث!”
▪️ “صدمة كبرى!”
▪️”مفاجأة غير متوقعة!”
وهي عناوين تعتمد على إثارة الفضول والانفعال أكثر من اعتمادها على قيمة المحتوى نفسه.
ومع تكرار هذا النمط، يتحول الاهتمام من جودة المعلومة إلى قدرتها على جذب الانتباه، ويصبح التفاعل معيار النجاح الأساسي.
*هل يمكن استعادة التوازن؟
لا يعني ذلك أن المنصات الرقمية عدو للحقيقة، لكنها بيئة تمنح أفضلية طبيعية للمحتوى القادر على إثارة المشاعر. ولذلك تصبح مسؤولية المستخدم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالتحقق من المصادر، وقراءة المحتوى قبل مشاركته، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة، كلها ممارسات ضرورية لحماية المجال العام من التضليل والمبالغة.
كما أن تعزيز الثقافة الإعلامية والوعي الرقمي أصبح ضرورة لمواجهة التأثير المتزايد للمحتوى المثير وغير الدقيق.
وختاماً… في زمن التفاعل الرقمي، لم تعد الحقيقة وحدها كافية لضمان الانتشار. فالمنافسة لم تعد بين الصحيح والخاطئ فقط، بل بين الهادئ والمثير، وبين المعلومة الدقيقة والعنوان الجاذب.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نشارك ما نعرف أنه صحيح، أم ما ينجح في لفت انتباهنا فقط؟
ففي عالم تحكمه الخوارزميات، قد لا تكون المعركة الحقيقية على الحقيقة نفسها، بل على القدرة على جذب الانتباه إليها.
