أراء وقراءات

وقاحة توني بلير..يطالب الفلسطينيين بشطب اسم وطنهم  من مناهجهم الدراسية

بقلم /نصار يقين

تتداخل في شخصية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، ملامح “الوسامة” الدبلوماسية المصطنعة مع مواقف شديدة البذاءة والوقاحة السياسية. ولعل أحدث تجليات هذه البذاءة هي مطالبته المستفزة للفلسطينيين بشطب اسم وطنهم المقدس من مناهجهم الدراسية، والدعوة إلى استبدال مصطلح “الضفة الغربية” بالمصطلحات التوراتية “يهودا والسامرة”. إن هذا الطرح لا يمثل مجرد انحياز أعمى للاحتلال، بل يعكس جهلاً عميقاً وفاضحاً بطبيعة الهوية العربية، فالأسماء لدينا ليست مجرد لافتات جغرافية، بل هي أرواح موحية، وتاريخ حي ينبض في عروق كل عربي، وفلسطين على وجه الخصوص.

الأسماء العربية: أرواح موحية وثورات مشتعلة

غاب عن ذهن بلير، أو ربما تعمد إسقاطه، أن الأسماء في الوطن العربي توقظ وتفرض حماساً استثنائياً بسبب ماضيها المناوئ والمقاوم للاستعمار. فعند العرب، تتحول أسماء المدن والمواقع إلى منارات تلهب مشاعر الغضب وتشعل الثورات ضد المعتدين. فبمجرد ذكر “بور سعيد” تستحضر الذاكرة دحر العدوان الثلاثي، و”الجزائر” تختزل تضحيات بلد المليون ونصف المليون شهيد ضد الاستعمار الفرنسي. وفي التاريخ الحديث، تحولت “الفلوجة” و”أم قصر” إلى رموز لكسر الغطرسة الأمريكية والبريطانية في العراق، بينما تظل “غزة في حاضرها الجهادي العظيم  كاسرة لكل محاولات المحو والتهجير ” و تبقى “عكا” في ماضيها عنوانا للصمود الأسطوري التي كسرت وصدت بأسوارها وشجعانها غزو نابليون وطردته من فلسطين شر طرد، وأسقطته في مصر شر إسقاط، وقضت على كامل أحلامه السفيهة، وأفشلت حملته المجرمة التي خطط لها بجنون. إذن تبقى هذه الأسماء ليست حبراً على ورق، يمكن طمس تاريخيها أو محوه بقرار غبي، بل هي رسالة تحمل جينات ثقافية تتوارثها الأجيال.

إرث الأكاذيب: من تدمير العراق إلى أحذية الخليل

لا يمكن فصل مواقف بلير الحالية عن تاريخه السياسي الملطخ بالدماء والأكاذيب. فهو صاحب “الكذبة العظيمة” عندما تظاهر بتصديق الرواية الأمريكية الملفقة بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. وبناءً على هذه الفرية، قاد بريطانيا لتشترك وحدها مع الولايات المتحدة في غزو وتدمير العراق سنة 2003، وهو القرار الشيطاني الذي تسبب في مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، وأحرج دولته وشعبه لعقود، مما جعل صورته محلياً ودولياً تقترن بلقب “مجرم حرب”.

هذا التاريخ المخزي يفسر الغضب الشعبي العارم الذي يلاحقه أينما حل. فبعد خروجه من منصبه الرسمي، تجرأ على زيارة الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل بالضفة الغربية، فما كان من المصلين الغاضبين إلا أن استقبلوه بما يليق بإرثه؛ حيث قذفوه بالأحذية والنعال، مطروداً ومنبوذاً، في رسالة واضحة بأن الشعوب لا تنسى ولا تغفر لمن تآمر على دمائها ومقدساتها.

توافق عقلية بلير الإستعمارية مع الخطط الصهيونية 

أمام هذا الإرث المقيت، يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن للفلسطينيين أن يستقبلوا توني بلير كعضو أو مدير في “المجلس الدولي للسلام لإدارة قطاع غزة” بعد انتهاء الحرب هناك، وهو يطالبهم علانية بتهويد جغرافيتهم وتغيير اسم الضفة الغربية؟ إن هذه المطالبته السفيهة بشطب الهوية الفلسطينية وتبني الرواية الصهيونية تثير البحث في دوافعه. هل يتحرك بلير بناءً على رغبة وإملاءات إسرائيلية مباشرة، أم أنها مبادرة ذاتية نابعة من “دماغه” المستعمر الذي يرى في المحو الثقافي وسيلة لإخضاع الشعوب؟ في الواقع، يمتزج الأمران معاً؛ فطوني بلير يعمل منذ سنوات طويلة كمستشار وجامع تبرعات وممثل لشبكات مصالح دولية وثيقة الصلة بإسرائيل، ومثل هذه الأطروحات تخدم تماماً مشاريع اليمين الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية. هو يحاول تقديم “أوراق اعتماد” متجددة للحركة الصهيونية على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.

 ما هو موقف الداخل البريطاني وترامب والمسؤولية التاريخية ؟؟

في ظل هذه السقطات، يبقى التساؤل مشروعاً حول ردود الفعل داخل المملكة المتحدة. فبينما يواجه بلير انتقادات لاذعة من إعلاميين بريطانيين أحرار ومؤرخين يرون في تحركاته تشويهاً مستمراً لسمعة بريطانيا، نجد أن رئيس الوزراء البريطاني الحالي والحكومة الرسمية غالباً ما يفضلون النأي بأنفسهم عن تصريحاته الشخصية، رغبةً في عدم تحمل كلفة حماقاته السياسية، وإن كان الموقف الرسمي البريطاني العام يظل محكوماً بالتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل.وفي سياق متصل، تبرز المفارقة في المشهد الدولي؛ حيث يحاول قادة عالميون كبار أحياناً خطب ود الغضب الفلسطيني والعربي عبر انتقاد الدور التاريخي والحالي للمملكة المتحدة. حيث تبقى بريطانيا هي صاحبة الخطيئة الكبرى من خلال “وعد بلفور” وتهيئة فلسطين كوطن قومي لليهود إبان فترة الانتداب، ثم استمرارها كدولة راعية ومؤسسة للكيان الإسرائيلي منذ سنة 1948. هذا اللعب على أوتار الغضب يوضح كيف أصبحت القضية الفلسطينية محط تجاذبات دولية، وكيف يظل الإرث الاستعماري البريطاني جرحاً نازفاً في الوجدان العربي.

نصار يقين داود

.nassaryaqin@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى