شئون عربيةلبنان

يوميات وطن ينزف (36) أطفال يكبرون ” قبل الأوان” وسط الحرب والنزوح

     قلبي لبناني (6)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

 

في صباحٍ من صباحات الجنوب اللبناني، كانت طفلة في التاسعة من عمرها تجلس على درج مدرسة تحولت إلى مركز لإيواء العائلات النازحة لم تكن تحمل حقيبة مدرسية، بل كانت تحتضن شقيقها الأصغر، بينما تحاول أن تقنعه بأن أصوات الانفجارات البعيدة ليست سوى “رعدٍ ” كانت تعرف أنها تكذب، لكنه كان الكذب الوحيد الذي يمنح طفلًا صغيرًا دقائق من الطمأنينة.

ماما مشغولة … وأنا مسؤولة عن أخي

أشارت إلى والدتها التي كانت تقف في طابور طويل للحصول على بعض الطعام، ثم قالت بهدوء يفوق عمرها: ماما مشغولة… وأنا مسؤولة عن أخي.

كانت كلماتها قصيرة، لكنها حملت وجعًا كبيرًا فالطفلة التي كان من المفترض أن تنشغل بواجباتها المدرسية، أو بلعبتها المفضلة، أو بحلمها البسيط بأن تصبح طبيبة أو معلمة، وجدت نفسها تتحمل مسؤولية لا ينبغي لطفل أن يحملها.

وهذه ليست قصة طفلة واحدة إنها قصة آلاف الأطفال اللبنانيين الذين دفعتهم الأزمات المتلاحقة إلى مغادرة طفولتهم قبل أوانها.

الطفولة في معناها الحقيقي

فالطفولة، في معناها الحقيقي، ليست مجرد سنوات يقضيها الإنسان بين الميلاد والمراهقة، بل هي مرحلة يُفترض أن يعيش فيها الطفل آمنًا، يتعلم، ويلعب، ويخطئ، ويحلم، دون أن يضطر إلى التفكير في هموم الكبار لكن عندما تتكرر الأزمات، تتغير قوانين الطفولة.

في لبنان، لم يعرف كثير من الأطفال معنى الاستقرار الكامل فمنهم من وُلد في ظل أزمة اقتصادية، ومنهم من عاش تجربة الإغلاق خلال جائحة كورونا، ومنهم من استيقظ على مشاهد انفجار مرفأ بيروت، ومنهم من اضطر إلى النزوح بسبب الاعتداءات العسكرية التي طالت مدينتهم، ومنهم من شهد أفرادًا من أسرته يفقدون أعمالهم أو منازلهم.

كل هذه الأحداث لم تمر على الأطفال مرورًا عابرًا، بل تركت آثارًا عميقة في نفوسهم، حتى وإن لم يكونوا قادرين على التعبير عنها بالكلمات.

فالطفل لا يقرأ التقارير الاقتصادية، ولا يفهم لغة السياسة، لكنه يدرك جيدًا حين يرى القلق في عيني والده، أو يسمع والدته تتحدث عن ارتفاع الأسعار، أو يشعر بأن بيته لم يعد المكان الآمن الذي كان يعرفه.

لهذا، فإن أكبر خسائر الأزمات ليست دائمًا ما يُهدم من المباني، بل ما يتغير داخل قلوب الأطفال.

تحديات متراكمة تواجه أطفال لبنان 

تشير تقارير اليونيسف إلى أن الأطفال في لبنان واجهوا خلال السنوات الأخيرة تحديات متراكمة أثرت في تعليمهم وصحتهم النفسية ومستوى معيشتهم.

فالأزمات الاقتصادية، إلى جانب النزوح والضغوط الاجتماعية، جعلت كثيرًا من الأسر غير قادرة على توفير الاحتياجات الأساسية لأبنائها كما كانت تفعل في السابق، وهو ما انعكس على شعور الأطفال بالأمان والاستقرار.

أطفال يحاولون التمسك بطفولتهم 

لكن الطفل اللبناني، رغم كل ذلك، ما زال يحاول أن يتمسك بطفولته.

ففي أحد الأحياء المتضررة في بيروت بعد انفجار المرفأ، رسم أطفال على الجدران المتشققة أشجارًا وطيورًا وشموسًا ملونة لم يكن الرسم مجرد لعبة، بل كان محاولة لإعادة الحياة إلى مكان امتلأ بالحزن.

إن الأطفال يملكون قدرة مدهشة على مقاومة الألم، لكنهم يحتاجون إلى من يحمي هذه القدرة، حتى لا تتحول إلى اعتياد على المعاناة.

ومن أكثر ما يؤلم أن بعض الأطفال أصبحوا يشعرون بأن عليهم مساعدة أسرهم بدلًا من الاكتفاء بدورهم الطبيعي كأطفال.

فقد أصبح بعض الصغار أكثر إدراكًا لمشكلات الأسرة المالية، وصاروا يتجنبون طلب أشياء يحبونها لأنهم يعرفون أن الظروف لا تسمح.

وهنا يكبر الطفل قبل أن يكبر عمره ليس لأن السنوات مرت سريعًا، بل لأن المسؤوليات سبقته.

التعليم يبقى نافذة أمل 

ومع ذلك، يبقى التعليم بالنسبة إلى الأسرة اللبنانية نافذة أمل لا يريد أحد إغلاقها فعلى الرغم من التحديات، واصل الآباء والأمهات بذل جهود كبيرة حتى لا ينقطع أبناؤهم عن الدراسة.

فالمدرسة بالنسبة إلى الطفل ليست مكانًا لتلقي الدروس فقط، بل مساحة يلتقي فيها بأصدقائه، ويشعر فيها بأن حياته ما زالت طبيعية.

وقد لعب المعلمون دورًا إنسانيًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، إذ لم يقتصر دورهم على شرح المناهج، بل أصبحوا يستمعون إلى مخاوف الأطفال، ويمنحونهم شعورًا بالأمان، ويعيدون إلى وجوههم شيئًا من الابتسامة.

ولا يمكن الحديث عن الطفل اللبناني دون الحديث عن الأسرة.

فالأسرة كانت، وما زالت، الجدار الذي يحاول حماية الطفولة من رياح الأزمات.

الأم التي تخفي دموعها حتى لا يراها أطفالها، والأب الذي يبتسم رغم قلقه، والجدة التي تروي الحكايات القديمة لتشغل الصغار عن أصوات الأخبار، جميعهم يشاركون في معركة واحدة؛ معركة الحفاظ على براءة الأطفال.

ورغم كل ما مر به لبنان، لا تزال الحدائق تمتلئ بالأطفال عندما تسنح الفرصة، ولا تزال المدارس تحتفل بالمناسبات، ولا تزال أصوات الضحكات تتسلل من الأزقة القديمة، وكأن الطفولة ترفض أن تستسلم.

إن الطفل اللبناني يمتلك قدرة عجيبة على صناعة الفرح من أبسط الأشياء:

  • كرة قديمة تتحول إلى بطولة كاملة.
  • علبة كرتونية تصبح بيتًا للخيال.
  • ورقة بيضاء تتحول إلى وطن يرسمه كما يتمنى أن يكون.

وهذه القدرة ليست دليلًا على أن الأطفال لا يشعرون بالألم، بل دليل على أن الأمل يولد في قلوبهم بطريقة فطرية.

لكن هذا الأمل يحتاج إلى حماية فالأطفال لا ينبغي أن يتحملوا أعباء الكبار، ولا أن يكبروا قبل أوانهم، ولا أن يصبح الخوف جزءًا من تفاصيلهم اليومية.

إن مسؤولية المجتمع، بكل مؤسساته، أن يحافظ على حق الطفل في التعليم، وفي اللعب، وفي الرعاية الصحية، وفي الدعم النفسي، وفي أن يحلم دون خوف.

خسارة الطفولة خسارة للمستقبل 

فالطفولة ليست رفاهية يمكن تأجيلها إلى أن تنتهي الأزمات، بل هي المرحلة التي يتشكل فيها مستقبل الوطن كله.

إذا خسر المجتمع طفولة أطفاله، فإنه يخسر جزءًا من مستقبله وإذا استطاع أن يحميهم، فإنه يحمي الغد قبل أن يأتي.

وربما لهذا، فإن أكثر ما يحتاجه الطفل اللبناني اليوم ليس لعبة جديدة فقط، ولا مدرسة أفضل فقط، بل أن يستعيد إحساسه البسيط بأن الغد سيكون أكثر هدوءًا من الأمس.

  • أن ينام دون أن يخاف من صوت مفاجئ.
  • أن يذهب إلى مدرسته وهو يفكر في الامتحان، لا في الطريق.
  • أن يرسم بيتًا على ورقة، وهو واثق أنه سيعود إليه في المساء.

قد يظن البعض أن الأطفال ينسون سريعًا، لكن الحقيقة أنهم يتذكرون كل ما جعلهم يشعرون بالخوف، كما يتذكرون كل يد امتدت إليهم بالمحبة.

لهذا، فإن كل ابتسامة نعيدها إلى وجه طفل، وكل مدرسة تُفتح أبوابها، وكل ملعب يمتلئ بالضحكات، هو إعلان بأن الحياة ما زالت أقوى من الأزمات.

فالطفل الذي اضطر أن يكبر أسرع من عمره، يستحق أن يجد وطنًا يعيد إليه ما سلبته الأيام؛ لأن الأوطان العظيمة لا تُقاس بما تبنيه من طرق وجسور فقط، بل بما تحافظ عليه من براءة أطفالها، فهم الحلم الذي يجب ألا يكبر قبل أوانه.

فلبنان، مهما أثقلته الجراح، يبقى وطنًا يكتب تاريخه بالحياة أكثر مما كتبته الحروب

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى