
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
لا توجد حربٌ تُدمّر البشر فقط؛ بل تلتهم أوطانًا كاملة من جذورها.والسودان اليوم تعيش واحدة من أكثر الكوارث الاقتصادية قسوة في تاريخها الحديث ليس لأن الأرقام تدهورت فالأرقام فقط يمكن إصلاحها لكن البنية العميقة للاقتصاد تعرضت لصدعٍ قد يستمر لجيلٍ كامل، بل أجيال.
فالحرب ليست أزمة عابرة… هذا انهيار بطيء، يتغذّى على الفوضى، ويعيد تشكيل السودان بطريقةٍ تُخيف كل من يعرف معنى الدولة حين تفقد توازنها.
الاقتصاد الذي تحوّل إلى ساحة حرب
قبل الرصاصة الأولى، كان السودان يعاني أزمات معروفة: تضخم، عقوبات، ديون، بطالة، ونقص في البنى التحتية.
لكن ما حدث بعد الحرب لا يشبه أي أزمة اقتصادية تقليدية.
ما حدث هو تفكيك كامل لمنظومة الدولة: الضرائب اختفت خلف الحواجز العسكرية، الجمارك أصبحت أسيرة طرق مقطوعة، العملة الوطنية فقدت قيمتها حتى صارت ورقة بلا ظل، وسلاسل الإمداد تحولت إلى مسارات مغلقة تغذي السوق السوداء أكثر مما تغذي المواطن.
الاقتصاد لم يعد اقتصاد دولة… بل اقتصاد نجاة
اقتصاد يسأل نفسه سؤالًا واحدًا كل صباح: كيف نبقى شعب السودان أحياء؟
فالجوع في السودان اليوم ليس جوع الصوم أو الفقر العادي…
إنه الجوع الذي ينشأ حين تتوقف عجلة الزراعة والصناعة والتجارة كلها دفعة واحدة.
السودان، بلد السهول والمزارع والماشية، أصبح يعاني نقصًا في الخبز والدواء والوقود.
بلدٌ كان يمكنه أن يكون سلة غذاء لقارة كاملة، صار ينتظر قوافل مساعدات تُعطّلها البنادق.
ولأن الحرب لا تؤذي الجميع بالقدر نفسه، تجد أغلب الأعباء على الفقراء: الأسعار قفزت لمستويات لا تشبه الواقع، الأسواق انهارت، والمواطن لم يعد يشتري ما يحتاجه… صار يشتري ما يستطيع، ولو كان لا يكفيه.
هجرة العقول… استنزاف صامت لكنه قاتل
الاقتصاد لا يقوم على المال فقط، بل على الإنسان.
والإنسان السوداني اليوم يعيش تحت ضغطٍ لم يعد يسمح له بالبقاء.
الأطباء، المهندسون، المعلمون، الفنيون، رواد الأعمال… يغادرون.
ليس حبًا في السفر، بل فرارًا من واقع لا يُعطيهم شيئًا إلا الخوف.
هؤلاء هم رأس مال السودان الحقيقي خروجهم يعني أن البلد تفقد ما لا يمكن تعويضه بسهولة: عقل الدولة، مهاراتها، خبرتها، ومستقبلها.
اقتصاد الحرب… اقتصاد من لا يملك خيارًا آخر
هناك دائمًا في الحروب اقتصادٌ موازٍ ينمو تحت الركام: أسواق للوقود، أسواق للدواء، أسواق للمواد الغذائية، أسواق تتحكم فيها مجموعات مسلحة وتجار أزمات.
هذا الاقتصاد يزدهر فقط حين تنهار الدولة وهو اليوم أكثر قوة ونفوذًا من أي مؤسسة رسمية.
يرسم الأسعار كما يشاء، يغلق الطرق كما يشاء، ويتحكم في حياة ملايين السودانيين بلا مساءلة.
مع ذلك… ما زال هناك أمل
الأمل لا يأتي من المؤشرات المالية… بل من الناس.
رغم الحرب، لا يزال السودانيون يزرعون في أطراف ولايات بعيدة.
لا يزال الحرفيون يعملون في ورش صغيرة داخل الخرطوم ومدن أخرى.
لا يزال التجار يعبرون الطرق الخطرة ليوصلوا الطعام.
ولا يزال الناس يبتكرون حلولًا ذاتية: مخابز منزلية، ورش متنقلة، اقتصاد تضامن، وتبادل خدمات دون مقابل.
هذه المحاولات الصغيرة تشبه إشعال شمعة في غرفة مظلمة… لكنها تمنع الظلام من ابتلاع كل شيء.
السؤال الكبير: هل يمكن للاقتصاد السوداني أن ينهض؟
الجواب ليس بسيطًا فالحرب لا تدمّر الموارد فقط… بل تدمّر الثقة.
والاقتصاد بلا ثقة يُشبه بناء منزل على رمال متحركة.
لكن السودان بلدٌ غني بموارده الطبيعية، وبشعبه القادر على العمل، وبأرضه التي لم تخن أصحابها يومًا.
ومتى توقف إطلاق النار، يمكن للاقتصاد أن ينهض، ولو ببطء، إذا: عادت الدولة، وتوقفت الفوضى، وحُميت المؤسسات، وتحوّل الشتات السوداني إلى قوة عائدة لا إلى قصة ضائعة.
سيُكتب يومًا أن هذه المرحلة كانت أصعب اختبار مرّ على السودان.
لكن الشعوب التي تنجو من هذا النوع من الانهيارات، غالبًا ما تبني مستقبلًا أكثر نضجًا ووعيًا وقوة.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








