أراء وقراءات

حينما دق الجرس الأخير…

بقلم /حسن السعدني

عند تمام الثانية عشرة ظهرًا… رنّ الجرس الأخير.

لم يكن مجرد جرس مدرسة… بل كان إعلانًا لنهاية سباقٍ طويل، وبداية انطلاقٍ لمشاعر كانت مؤجلة.

انفتحت الأبواب، واندفع الطلاب إلى الخارج كأنهم نهرٌ تحرر من سدّه. ضحكات تتعالى، أوراق تتطاير، وأصوات تختلط فيها الأغاني بنداءات الأصدقاء.

لم يكن مشهدا لفوضى… بل حياة خرجت دفعة واحدة.

وقف سعيد عند البوابة يراقب، وبجواره كان ضياء يقفز بحماس: “انتهينا يا سعيد ، أخيرًا… انتهى كل شيء٠ “

ابتسم سعيد، لكنه لم يتحرك. كان يرى ما هو أبعد من الكلمات.

هناك… كان مازن يحتضن أصدقاءه ويضحك بصدق.  عامٌ كامل من السهر، والخوف، والتعب… انتهى أخيرًا. كانت فرحته هادئة في جوهرها، حتى وإن ارتفع صوته… فرحة من تعب… فاستراح.

وعلى الطرف الآخر…

كان محمود يضحك أكثر من الجميع. يرفع يده بعلامة النصر، يصرخ، يصفق، وكأنه حقق إنجازًا عظيمًا.

لكن شيئًا في ضحكته كان مختلفًا…

ضحكة سريعة، عالية… كأنها تسبق سؤالًا

لا يريد أن يسمعه.

لم يكن يحتفل بنجاح… بل بانتهاء مواجهة.

نجا… من لحظة شك، من ورقة كادت تفضحه، من سماعة كادت تكشف، من عين مراقب مرّت دون أن تتوقف.

كان فرحه يشبه من عبر جسرًا مهتزًا دون أن ينظر تحته… ثم وصل.

وصل… لكنه لم يطمئن.

في داخله، مرّ سؤال خافت: “هل كان هذا انتصارًا فعلًا؟”

لكنه تجاهله… ورفع صوته أكثر، وضحك أعلى…

ليس لأنه أكثر سعادة… بل لأنه لا يريد أن يسمع.

وبالقرب من البوابة… لم يكن الطلاب وحدهم من تنفّسوا الصعداء.

كان هناك… الملاحظون.

خرج أحدهم وهو يخلع نظارته، يترقب الموقف كمن أنهى معركة صامتة، وقال لزميله بابتسامة مرهقة:

“الحمد لله… انتهى الامتحان .”

أسابيع من الوقوف الطويل، والتركيز المستمر، ومراقبة كل حركة وهمسة…

 أسابيع من المسئولية الثقيلة التي لا تحتمل خطأً واحدًا… انتهت.

لم تكن فرحتهم صاخبة… لكنها كانت عميقة.

فرحة من أدّى الأمانة… وأغلق الصفحة.

وعلى مسافةٍ غير بعيدة…

 في تلك  الشرفات المطلة  على المدرسة…

كانت الأمهات.

إحداهن تمسك هاتفها وتقول: “الحمد لله… عادوا سالمين.”

لم تكن تسأل عن الدرجات الآن… بل عن السلامة.

سنة كاملة من القلق، والدعاء، والسهر… انتهت بعودة الأبناء.

كانت تلك… فرحة الطمأنينة.

عاد سعيد إلى منزله. كان والده يقف عند النافذة المطلة على الميدان  يتأمل المشهد.

قال الأب: “غريب… كأن المدينة كلها تحتفل.”

دخل ضياء ضاحكًا: “طبيعي يا عم! هذا يوم لا يُنسى “

جلس سعيد بهدوء وقال: “ليس احتفالًا فقط… بل تنفّس.”

نظر الأب إليه: “تنفّس؟”

أجاب سعيد: “عام كامل من الضغط… واليوم هو لحظة خروج كل ما تراكم.”

سكت الأب قليلًا، ثم قال: لكن كل هذه الاحتفالات…

ابتسم سعيد ، وأشار إلى الشارع: “هناك فرحة مستحقة… كفرحة مازن. وفرحة طمأنينة… كفرحة الأمهات. وفرحة مؤجلة الحساب… كفرحة محمود.”

تأمل الأب المشهد طويلًا، ثم قال: “ومع ذلك… الجميع يضحك ويحتفل .”

رد سعيد: “لأننا لا نحتفل بالنتيجة فقط… نحن نحتفل بأننا وصلنا.”

وأضاف ضياء: “نفرح لأننا تجاوزنا الطريق… مهما كانت نهايته.”

ابتسم الأب وقال: “إذن هذه طريقتنا في الفرح.”

قال سعيد: “نحن لا ننتظر الكمال لنبتسم… ولا نشترط الانتصار لنحتفل.”

“نفرح لأننا صبرنا… لأننا تحمّلنا… لأننا أكملنا الطريق حتى نهايته.”

عاد الأب ينظر إلى الشارع…

لم يعد صاخبًا كما كان… بل صار ممتلئًا بالحكايات.

ومع مرور الوقت… هدأت الأصوات.

عاد كلٌّ إلى بيته… وبقيت المشاعر في القلوب.

فرحة صادقة تُطمئن… وأخرى تخبو سريعًا… وثالثة تنتظر لحظة مواجهة لا مفر منها.

لكن ما يبقى حقًا…

أن الجرس الذي أنهى الامتحان…

لم يُنهِ الحكاية.

الخبير التربوي حسن السعدني

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى