القمة لا تُمنح… بل تُنتزع

بقلم: حسن السعدني
في كل عام، يتكرر المشهد ذاته في صور مختلفة : طلاب يترقبون مصيرهم بقلق، وأسرٌ معلّقة بين الخوف والرجاء، وفرحٌ لا يكتمل إلا إذا اقترن باسم كلية مرموقة.
وكأن النجاح… صار لقبًا
تحوّلت كلمة واحدة في بطاقة الترشيح إلى معيار نهائي للقيمة، متجاوزة الموهبة، والشغف، والاختلاف. لم تعد الرحلة بحثًا عن الذات، بل محاولة للانصهار في قالبٍ جاهز حدّده المجتمع سلفًا.
هنا تبدأ خدعة “القمة”
لسنوات طويلة، ترسّخت فكرة أن هناك مسارات بعينها تمثل الذروة: الطب، الهندسة، وما شابهها من تخصصات تحظى بهالة اجتماعية. وما عداها، يبدو وكأنه أقل شأنًا. وهكذا، لم يعد يُقاس الإنسان بقدرته، بل بدرجاته، ولا بأثره، بل باللقب الذي يحمله ، فتنشأ أجيال كاملة… تطارد أحلامًا لم تخترها.
القمة الحقيقية
لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها:
القمة لا تُدرَّس في كلية.
القمة ليست مكانًا تلتحق به، بل مستوى تصنعه أنت
القمة أن تدخل أي مجال… ثم تترك فيه أثرًا لا يُمحى.
محامٍ ينصر المظلوم… هذه قمة.
رائد أعمال يخلق قيمة حقيقية… هذه قمة.
معلم يصنع العقول ويغيرالمصائر هذه قمة.
القمة ليست لقبًا… بل تأثيرا.
وليست شهادة… بل بصمة.
أثر الاختيار الخاطئ
وحين نحصر النجاح في طريق واحد، تكون النتائج واضحة: يُخنق الإبداع بصمت، ويذبل الشغف تحت وطأة الإلزام، ويتحوّل الأفراد إلى نسخ متشابهة – مؤهلة ظاهريًا – لكنها فاقدة للانسجام الداخلي.
ما قيمة طبيب يكره مهنته؟
وأي مستقبل يبنيه مهندس لم يختر طريقه؟
قد تتكاثر الشهادات… لكن المعنى يتلاشى.
تغيّر المعايير
اليوم، يتغير العالم بوتيرة متسارعة. لم يعد السؤال: “ماذا درست؟” بل: “ماذا صنعت؟ وماذا أضفت؟
نحن في زمن تتقدم فيه المهارات والابتكار، لم يعد بريق الألقاب كافيًا، بل أصبحت القيمة الحقيقية فيما يقدّمه الإنسان من أثر.
“أخطر ما في التعليم… أنه قد ينجح في إنتاج قادرين لم يكتشفوا قدراتهم.”
ليست القضية تعليمية فحسب… بل ثقافية في جوهرها.
رسائل هامة
إلى الطالب:
أنت لست رقمًا في كشف الدرجات، بل إمكانية مفتوحة. فلا تختصر نفسك في مجموع.
إلى ولي الأمر:
التوجيه لا يعني الفرض، والمستقبل لا يُبنى على أحلام مؤجلة. ساعد أبناءك ليكتشفوا طريقهم… لا ليكرروا طريقك.
خاتمة
لقد آن الأوان لتصحيح المفاهيم.
القمة ليست بابًا يُفتح للبعض… بل طريقا يُصنع بالإرادة.ليست اسمًا يُمنح… بل أثرًا يُرى.ليست تقليدًا… بل تفرّدًا.
فالمجتمعات لا تتقدم بالشهادات وحدها، بل بمن يبدعون في كل مجال، ويتركون بصمتهم أينما كانوا.
وهؤلاء… لا يصنعهم وهم.
فالقمة لا تُمنح… بل تُنتزع.
الخبير التربوي حسن السعدني




