أخبار العالم

صراع السيادة وسلاسل الإمداد فى قلب الحزام النحاسى الإفريقى

كتبت – د. هيام الإبس

لم تعد ثروات إفريقيا المعدنية مجرد أرقام في جداول الصادرات أو صفقات تجارية لتعظيم العائدات المالية، بل أضحت حجر الزاوية في معادلات الأمن الاستراتيجي والصراع على النفوذ الدولي.

وفي وقت يسابق فيه العالم الزمن نحو التحول الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة، تأتي أزمة “اليورانيوم الخفي” داخل شحنات الكوبالت الكونغولي لتضع القارة السمراء أمام اختبار حقيقي لمفهوم “السيادة الوطنية على الموارد”.

إن القضية تتجاوز نطاق الشكوك البيئية أو الثغرات الجمركية، لتفتح ملفاً شائكاً يتعلق بما يُصدره الشرق بالفعل وما تخسره الدول الإفريقية نتيجة غياب قدرات التتبع والتدقيق العلمي لخاماتها.

تفجير الأزمة: بين المذكرات السرية والتقديرات البحثية

استندت تحقيقات صحفية استقصائية شاركت فيها مؤسسات دولية بارزة، من بينها “لايتهاوس ريبورتس” و”فايننشال تايمز” و”لوموند”، إلى وثائق ومذكرات داخلية للوكالة الدولية للطاقة الذرية يعود تاريخها لعام 2009.

وتؤكد هذه البيانات وجود كميات “كبيرة” من عنصر اليورانيوم مدمجة طبيعياً داخل خامات الكوبالت في إقليم كاتانغا بجنوب شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ممّا يعني احتمال خروج هذا المورد الحساس خارج البلاد كمنتج ثانوي غير معلن ضمن صادرات الكوبالت.

ولم تقف الشكوك عند الحدود التاريخية؛ إذ كشفت تقديرات بحثية حديثة نُشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” عن أرقام أكثر خطورة، مشيرة إلى احتمال تدفق ما بين 2000 و5000 طن من اليورانيوم من الكونغو إلى الصين عبر شحنات هيدروكسيد الكوبالت خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2024، وتكفي الكمية الأدنى من هذه التقديرات لتغذية مفاعل نووي بقدرة ميجاوات واحد لمدة عقد كامل، رغم عدم ثبوت استخلاص هذا اليورانيوم أو استخدامه فعلياً داخل الأراضي الصينية حتى الآن.

إقليم كاتانغا: الجغرافيا الملعونة والتاريخ الممتد

تستمد هذه التطورات حساسيتها العالية من الطبيعة الجيولوجية والتاريخية لإقليم كاتانغا، الذي يقع في قلب “الحزام النحاسي الإفريقي”. وتتداخل في هذا الإقليم خامات النحاس والكوبالت واليورانيوم بشكل يصعب فصله أولياً.

ويُعيد هذا المشهد إلى الأذهان حقبة مشروع “مانهاتن” في أربعينيات القرن الماضي، حين تُوجت خامات كاتانغا لتصنيع أولى القنابل الذرية في التاريخ، قبل أن تُغلق تلك المناجم وتُفرض عليها قيود أمنية صارمة.

واليوم، مع تحول الكوبالت إلى “عصب” صناعة البطاريات الحديثة والسيارات الكهربائية، أصبحت صادرات الكونغو جزءاً لا يتجزأ من سلاسل الإمداد العالمية.

ويعني خروج اليورانيوم ضمن هذه السلاسل دون تدقيق رسمي، تسرب مادة استراتيجية فائقة الخطورة عبر القنوات التجارية الاعتيادية.

موقف الشركات والنفي الصيني

في قلب هذه التحقيقات، يبرز منجم “تينكي فونغوروم” – أحد أكبر مناجم الكوبالت في العالم – والمملوك لمجموعة “سي إم أو سي” (CMOC) الصينية منذ عام 2016. وأشارت الوثائق إلى أن عينات خاوية من الخام أظهرت نسباً مرتفعة من اليورانيوم وصلت في إحداها إلى 1100 جزء في المليون.

في المقابل، ردت المجموعة الصينية بنفي قاطع لهذه الاتهامات، مؤكدة:

التزام جميع صادراتها من هيدروكسيد الكوبالت بالقوانين المحلية والمعايير الدولية.

عدم تسجيل أي مخالفات جمركية أو بيئية تتعلق بالحدود الإشعاعية المسموح بها.

عدم القيام بأي عمليات فصل أو استخلاص لليورانيوم سواء داخل الكونغو الديمقراطية أو في الصين.

اعتبار أن المعايير التي استند إليها التحقيق الاستقصائي غير ملزمة دولياً.

أزمة الرقابة وتحديات السيادة الإقليمية

بعيداً عن سجال الاتهامات، تُبرز الأزمة إشكالية عميقة تواجه الاقتصادات الإفريقية المعتمدة على استخراج المواد الخام، وتتمثل في

ضعف القدرة التكنولوجية على التحليل الكامل لمكونات الخام المُصدر.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس وكالة الطاقة النووية الكونغولية، ستيف موانزا، أن وجود اليورانيوم في خامات الكوبالت يُعد أمراً ممكناً ومرجحاً علمياً، رغم غياب الدليل المباشر على استغلاله تجارياً من قبل الشركات الأجنبية. وبناءً عليه، طالبت الوكالة بتمويل عاجل لتثبيت أجهزة كشف إشعاعي حديثة على المنافذ الحدودية، ولا سيما الشاحنات المتجهة نحو زامبيا.

فحركة المعادن عبر الحزام النحاسي تعني أن التراخي الجمركي في دولة واحدة يتحول فوراً إلى ثغرة أمنية إقليمية، حيث تعبر المعادن عدة دول قبل وصولها إلى الموانئ البحرية، مما يفرض ضرورة صياغة أطر رقابية مشتركة بين دول المنطقة.

الصراع الدولي على معادن المستقبل

تأتي هذه التسريبات في وقت يشتد فيه التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، اليابان من جهة، والصين من جهة أخرى) لتأمين المعادن الحيوية.

فالصين الهيمنة شبه المطلقة على قطاع التعدين في الكونغو، بينما يسعى الغرب لتنويع سلاسل إمداده وتقليل الاعتماد على بكين. ومن شأن أزمة اليورانيوم أن تُستغل كأداة ضغط سياسي واقتصادي في هذا الصراع الممتد.

رؤية مستقبلية: نحو إدارة سيادية للموارد الإفريقية

تتلخص العبرة الأهم من قضية “اليورانيوم المدمج” في أن الملكية الأرضية للموارد لا تعني بالضرورة ممارسة السيادة عليها. ولتحويل هذه التحديات إلى فرص، يتوجب على جمهورية الكونغو الديمقراطية والدول الإفريقية اتخاذ خطوات عمل حاسمة:

  1. بناء قدرات التحليل الوطني: إنشاء مختبرات علمية مستقلة ومجهزة لتحديد التركيب الكامل للخامات قبل تصديرها.
  2. تحديث منظومة المنافذ: ربط هيئات الجمارك بأجهزة قياس إشعاعي متطورة وتتبع مسار الشاحنات لحظياً.
  3. التشديد التشريعي: إلزام الشركات الأجنبية بالإفصاح الكامل عن كافة العناصر الثانوية الموجودة في الخامات، وفرض رسوم أو قيود على المكونات ذات القيمة الاستراتيجية.
  4. التكامل الإقليمي: تأسيس نظام موحد مع دول الجوار (مثل زامبيا) لمراقبة وتتبع حركة المعادن الحساسة عبر الحدود.

إن قدرة القارة السمراء على معرفة القيمة الحقيقية والمكونات الدقيقة لما تخرجه أراضيها تُعد الشرط الأول لضمان أمنها القومي وتحقيق العدالة الاقتصادية لشعوبها، بدلاً من اكتفائها ببيع المواد الخام بأسعار بخسة بينما تُبنى الثروات والقوة الاستراتيجية في معامل ومصانع الخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى