إدمان الجديد.. لماذا أصبح الصمت الرقمي مخيفًا؟

بقلم/ دكتورة هناء خليفة
أصبحنا نفتح هواتفنا أحيانًا لا لأن لدينا شيئًا نبحث عنه، بل لأننا لا نعرف ماذا نفعل حين لا يحدث شيء. لحظة انتظار قصيرة، أو طريق بلا حديث، أو دقائق هادئة قبل النوم.. تكفي لأن تمتد أيدينا تلقائيًا نحو الشاشة، وكأن الصمت مساحة يجب أن نملأها بأي شيء.
*عقل لا يريد أن يفوته شيء
رسالة جديدة، خبر عاجل، صورة لم نشاهدها، فيديو لم يظهر بعد، وإشعار قد يحمل شيئًا يستحق الانتباه… هكذا تتوالى التفاصيل الصغيرة، فننتقل من محتوى إلى آخر دون أن نمنح أيًّا منها وقتًا كافيًا للتأمل.
ليس كل ما نراه مهمًا، لكن مجرد احتمال أن يكون هناك شيء جديد يجعلنا نعود إلى الشاشة. نبحث عن المفاجأة، وننتظر ما قد يظهر، وربما نكرر الفعل نفسه مرات عديدة دون أن نتذكر ما الذي دفعنا إليه من البداية… وهنا تكمن المفارقة: قد لا نكون مهتمين بما نراه بقدر اهتمامنا بما قد يظهر بعده.
*لماذا يبدو الصمت ثقيلًا؟
في الماضي، كانت لحظات الانتظار جزءًا طبيعيًا من الحياة؛ مساحة للشرود، وترتيب الأفكار، واستعادة أحداث اليوم. أما الآن، فقد أصبح من السهل أن نملأ كل فراغ بمحتوى جديد، حتى تراجعت قدرتنا على احتمال الدقائق التي لا تقدم لنا شيئًا مثيرًا.
ومع التعود على هذا التدفق، قد تبدو الأنشطة الهادئة أقل جاذبية، ويصبح التركيز في كتاب أو الاستمتاع بمحادثة طويلة أكثر صعوبة لدى بعضنا. ليس لأننا فقدنا القدرة على الاستمتاع، بل لأننا اعتدنا إيقاعًا سريعًا يجعل كل ما عداه يبدو بطيئًا.
الصمت لم يصبح مخيفًا لأنه تغيّر، بل لأننا لم نعد نمنحه الفرصة الكافية لنعرف ماذا يمكن أن يمنحنا.
*فخ الجديد.. متعة لا تكتمل
تعتمد منصات رقمية كثيرة على تدفق مستمر من المحتوى، وتستخدم أنظمة التوصية والإشعارات لجذب الانتباه وتشجيع المستخدم على العودة. ومع غياب نقطة واضحة تقول إن المشاهدة انتهت، يصبح الانتقال إلى المحتوى التالي أسهل من اتخاذ قرار بالتوقف.
نرى مقطعًا، ثم ننتقل إلى آخر، ونقرأ خبرًا، ثم نبحث عن تعليق عليه، وبعد دقائق قد نجد أنفسنا في موضوع مختلف تمامًا. كل شيء يدعونا إلى المتابعة، لكن قليلًا من الأشياء يدعونا إلى الاكتفاء.
وهكذا يتحول الجديد من وسيلة للمعرفة والمتعة إلى مطاردة مستمرة؛ نريد المزيد، لا لأن ما لدينا لا يكفي دائمًا، وإنما لأن ما يأتي بعده قد يبدو أكثر إثارة.
*حين نفقد متعة الأشياء البسيطة
المشكلة لا تتوقف عند الوقت الذي نقضيه أمام الشاشة، بل تمتد إلى الطريقة التي نعيش بها اللحظات العادية. قد نجلس مع أشخاص نحبهم، بينما يتوزع انتباهنا بين الحديث وما يصل إلى الهاتف. وقد نذهب إلى مكان جميل، فننشغل بتصويره ونشره أكثر من الانتباه إلى تفاصيله.
حتى الراحة نفسها أصبحت عند البعض نشاطًا يحتاج إلى شاشة؛ نريد أن نستريح من ضغط اليوم، فنغرق في تدفق آخر من الصور والأخبار والمقاطع.
ومع الوقت، قد نعتاد أن نستهلك اللحظة بدلًا من أن نعيشها، وأن نبحث عن شيء يثيرنا بدلًا من أن نكتشف قيمة ما هو موجود بالفعل.
*استعادة حقنا في الملل
ليس المطلوب أن نهجر التكنولوجيا أو نشعر بالذنب كلما استخدمنا هواتفنا. المطلوب أن نستعيد قدرتنا على الاختيار، بدلًا من أن تتحول كل لحظة فارغة إلى استجابة تلقائية للشاشة.
يمكننا أن نبدأ بخطوات بسيطة: أن نؤجل تفقد الهاتف أثناء الانتظار، وأن نخصص وقتًا للقراءة أو المشي دون محتوى مصاحب، وأن نغلق الإشعارات غير الضرورية، وأن نجلس مع من نحب دون أن نترك كل تنبيه يقتطع جزءًا من حضورنا.
ومن المهم أيضًا أن نسمح لأنفسنا بالملل أحيانًا. فالملل ليس عيبًا ينبغي التخلص منه فورًا؛ قد يكون بداية لفكرة جديدة، أو فرصة للتأمل، أو مجرد استراحة يحتاج إليها العقل بعيدًا عن التدفق المستمر للمثيرات.
*هل نستطيع أن نكون بخير دون أن يحدث شيء؟
ربما أصبح هذا السؤال أكثر أهمية مما نظن. هل نستطيع أن نجلس دقائق دون أن نبحث عن خبر جديد؟ أن نسير دون سماعات، وننتظر دون تصفح، ونستمتع بلحظة عادية دون الحاجة إلى تصويرها أو مشاركتها؟
إن قدرتنا على البقاء مع أنفسنا دون انشغال دائم ليست رفاهية، بل جزء من استقلالنا في عالم يتنافس فيه الجميع على انتباهنا.
فليس كل صمت فراغًا، وليس كل جديد إضافة، وليس كل لحظة هادئة لحظة ضائعة… أحيانًا، لا نحتاج إلى شيء جديد يملأ حياتنا.. بل إلى أن نستعيد قدرتنا على الشعور بما هو موجود فيها بالفعل.




