أراء وقراءات

رحيق العسل

بقلم / إيمان أبوالليل

قال لي: هل تعلمين بأن النحلة إن لم تتذوق الرحيق لا تنتج عسلا، وهل تعلمين أن رحيق زهور الجبل الذي يروى بغيث السماء، هو أنقى لأنه روي بماء مبارك؟!

تعجبت أنا من تلك الكلمات، وكنت أستمع باهتمام شديد، وسبح خيالي في سر عالم النحل.

 

وإذ به يقول لي: أنت تلك النحلة!

نظرت وكأنني وقعت بغتة، واستسلمت لأمواج كلماته العاصفة، ربما أصل إلى شاطئ عالم الخيال

فقال لي: كنت أنت الروح الهائمة كنحلة في خريف ممتد لا نهاية له، تجوب أرجاء الحياة العاصفة، بأجنحة متعبة، من يراها يحسبها شرسة، ويظن بأنها تحط على الزهر وتنسحب دون أن تترك أثرا.

 ومن يقترب منها يرى الرقة الكامنة، كأنها حورية جاءت من ملكوت غيبي لا وجود له إلا في قصص الأساطير الرومانسية.

أنثى تنشد الدفء في برد العزلة عن العالم القاسي، عاشت أياما يتشابه فيها النور والظلام، عاشت على هامش المشاعر، دائما تتمنى أن تعيش حياة تشبه الحياة، وكأن الحياة الكاملة أمرا بات من المستحيلات.

ثم سكت قليلا وتنهد كأنه يلملم شتات روحه من روحي المنهكة، ثم استرسل وقال بنبرة بها من الشجن عمق وغرابة، جعلتني أكثر فضولا لأستمع إليه.

قال: تحاولين عزف النغمات، التي تحكي رواية امرأة أتت من تحت أنقاض الزمن، لكنك ودون أن تدركين، تزهرين أينما وقعت، وأنت لا تعلمين.

كنت أنت يا عزيزتي تلك النحلة، التي لم تتذوق الرحيق، فكيف تنتج نحلة لم تتذوق الرحيق عسلا؟!

وكيف لقلب لم يعرف وحي العاطفة أن ينبض بالحياة؟!

كان الوجود كلوحة باهتة الألوان، لا معنى لها، فكل ما مضى ما هو إلا محاولات تحاكي الحياة، لكنها لم تكن الحياة.

أما الآن

انفرجت حجب العزلة القاتلة، واخضر العود الجاف، وأشرقت في سماء خريف العمر، شمس الحياة، وفتحت الروح لها نوافذها، كما تفتح أزهار الربيع النور.

كان قلبي هو هدية الحياة، رحيقا استثنائيا، جمع بين حلاوة الوصل ولهفة الاشتياق.

هل تعلمين بأن روحي كانت هي التائهة، تبحث عنك في كل زمان ومكان، والآن طافت في بستان عينيك، فذاقت أخيرا وبعد عناء وحروب مريرة مع الأيام، شهد اللحظات.

مجرد لحظات بين يديك تروي أعماق مشاعري التي لم تكن تعرف لها وجودا من قبل.

وسكن حبك حنايا القلب، فانقلب الوجود رأسا على عقب، هنا فقط بدأت روح النحلة التي كنت أبحث عنها تنتج عسلا نقيا صافيا.

فكنت أنت وكنت أنا، قصيدة من الشغف، ينبض لها الوجدان، لقد أدركت الآن أن الإبداع والحياة لا يكتملان إلا بالإرتواء، وأن القلب لا يمنح العطاء العذب إلا بعد أن يتذوق أنقى وأصفى وأعذب أنواع الرحيق في حبك أنت.

إيمان أبو الليل 

كاتبة وإعلامية وعضو اتحاد كتاب مصر 

زر الذهاب إلى الأعلى