احدث الاخبار

سجن الذات الضيق ورحابة الأثر الممتد

كيف تحسب عمرك الحقيقي بعيداً عن أرقام شهادة الميلاد؟

 

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي

أقصر الناس عُمراً ليس من مات مُبكراً، بل من عاش لنفسه وحدها؛ وأطولهم عُمراً ليس من تجاوز التسعين، بل من غادر الدنيا وبقي أثره يخطو بين الناس بعده. فحين يحصر الإنسان وجوده في ذاته، تتحول الحياة إلى غرفة ضيقة الجدران، تبدأ عند رغباته وتنتهي عند حاجاته، يفرح ويحزن لنفسه، ويقيس الكون بمقدار ما يضيفه لرصيده الشخصي من مال أو لذة، لتتقلص حياته في النهاية وتصبح بحجم جسد واحد، وعمر واحد، وقبر واحد.

التحرر من قيود السنوات.. كيف تولد الأفكار العابرة للعصور؟

على النقيض تماماً، حين يعيش الإنسان لفكرة أكبر منه، أو لقضية تتجاوز حدود ذاته، أو لمبدأ يؤمن أنه يستحق البذل والتضحية، فإن عمره يتحرر من قيود السنوات والأرقام. عندها لا يعود ابن أربعين أو سبعين سنة، بل يصبح امتداداً لسلسلة طويلة من البشر الذين حملوا الشعلة نفسها عبر العصور.

“إن الفرق بين من يعيش لذاته ومن يعيش لفكرة، يشبه الفرق بين قطرة ماء راكدة في حفرة صغيرة، ونهر عظيم يصب في البحر؛ فالقطرة تبدأ وتنتهي في مكانها، أما النهر فيحمل في جريانه آثار الجبال والقرى، ويواصل رحلته حتى بعد أن يغيب عن العيون.”

ولهذا كان الأنبياء والعظماء أطول الناس عُمراً وإن كانت سنوات حياتهم قصيرة؛ لأنهم عاشوا لرسالة، فماتت أجسادهم تحت التراب، بينما لا تزال كلماتهم تصنع الأمم، وتغير التاريخ، وتعيد تشكيل الضمائر الإنسانية.

وهم أرقام شهادات الميلاد.. الأثر هو المعيار الحقيقي

إن أعظم وهم يقع فيه الإنسان هو ظنه أن عمره هو عدد السنوات المكتوبة في شهادة ميلاده، بينما الحقيقة الصارخة تقول: إن عمرك الحقيقي هو مقدار الأثر الذي تتركه خلفك. فكم من رجل عاش ثلاثين عاماً لكنه ما زال حاضراً في ضمائر الناس بعد ثلاثة قرون، وكم من آخر عاش قرناً كاملاً ثم انطفأ ذكره قبل أن يجف تراب قبره!

وحين نتأمل التاريخ، نجد أن الذين غيروا وجه العالم لم يكونوا دائماً أصحاب الجيوش أو الثروات، بل أصحاب الأفكار؛ فكرة صغيرة آمن بها صاحبها بصدق قد تعبر القارات وتنتصر على الموت نفسه، لأن الموت يستطيع أن يوقف نبض القلب، لكنه يعجز عن قتل فكرة وجدت من يحملها.

فلسفة المسلمين الأوائل في استعارة أعمار الأجيال

الذين يعيشون لأنفسهم يخشون الشيخوخة؛ لأنهم يرون فيها اقتراب النهاية. أما الذين يعيشون لفكرة، فيدركون أن النهاية الحقيقية هي توقف العطاء لا توقف القلب، ولهذا يظلون يزرعون ويبنون بوعي كامل أن الثمرة قد يأكلها غيرهم.

وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة بعمق، فجعلوا أعمارهم جسوراً تعبر عليها الأجيال:

  • بنوا المدارس ولم يدرّسوا فيها.

  • حفروا الآبار ولم يشربوا منها.

  • أوقفوا الأوقاف ولم ينتفعوا بها إلا قليلاً.

لقد كانوا يعلمون أن الإنسان حين يحيا لنفسه يملك عمراً واحداً، أما حين يحيا لغيره فإنه يستعير أعمار كل الذين ينتفعون بأثره جيلاً بعد جيل.

الخلاصة: الخروج من سجن الجسد إلى رحابة الإنسانية

إن الحياة التي تُعاش للذات تشبه شمعة تضيء غرفة صغيرة ثم تنطفئ، أما الحياة التي تُعاش لفكرة فتشبه شروق الشمس؛ قد يغيب قرصها عن الأفق، لكن نورها يظل ممتداً في كل مكان.

ومن هنا يكمن سر العظماء: لم يكونوا يبحثون عن عمر أطول، بل عن معنى أعمق، ولم يطلبوا أن يعيشوا أكثر من الناس، بل أن يعيش الناس أكثر بهم. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرتبة، يصبح موته حدثاً يخص جسده الفاني فقط، أما هو فيبقى حياً في كلمة علّمها، أو قيمة غرسها، ليبرهن في النهاية أن الحياة لم تكن يوماً بعدد السنوات، بل بعدد الأرواح التي لامسناها والمعاني التي أبقيناها حية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى