البحث العلمى

في ظلال رحلة المعراج الكونية (20) حال الإنسان مع فرضيات خلق الكون

بقلم: الدكتور سعد كامل

كتب الدكتور سعد كامل مقالاً علمياً وفكرياً جديداً ضمن الجزء العشرين من سلسلته الشهيرة «في ظلال رحلة المعراج الكونية»، متناولاً إشكالية التعامل البشري مع فرضيات خلق الكون ونشأته، ومسلطاً الضوء على الفجوة المعرفية بين ما ترصده العلوم المادية وما تفيض به النصوص الشرعية والوحي السماوي.

محدودية الكون المدرك وقصور النظريات المادية

أشار الدكتور سعد  في مقالات سابقة إلى محدودية الكون المدرك الذي يدرسه علماء الفلك والكونيات بأجهزة الرصد المتاحة من تليسكوبات ضوئية ورادرية وغيرها من طرق الدراسة، وأن الكون المدرك يمثل النصف السفلي من السماء الأولى (معلمي، 2011)، أما خارج حدود ذلك الكون المدرك فهناك بقية السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي والعرش كمكونات للكون الكبير، وهذه المكونات الكبرى تعتبر من أمور الغيب فيما عدا ما تصل إليه أجهزة الرصد الفلكي من مجرات الكون المدرك… وبناء على ذلك تأتي نظريات نشأة الكون في العلوم المادية لتتناول نشأة الكون المدرك فقط. 

وتتفاوت نظريات نشأة الكون (المدرك) في العلوم المادية بين نظرية الكون الثابت (Hoyle, 1949) التي تقول أن الكون الحالي هو نفسه سابقا ومستقبلا، إلى نظرية المصفوفة التي تدعي أننا نعيش داخل عملية محاكاة حاسوبية فنتوهم أننا داخل كون افتراضي (موقع ناسا بالعربي)، إلى نظرية الانفجار الكبير التي وضعها جورج لومتر 1927، وتقول أن الكون (المدرك) كان منضغطا في كتلة صغيرة الحجم وعالية الكثافة فانفجرت، وهي النظرية التي تهيمن على المجال بل وتُعتبر حاليا من المسلمات بالرغم من الاعتراضات الكثيرة حولها. وأبرز الاعتراضات على نظرية الانفجار التي يصيغها علماء الفلك والفيزياء الفلكية هو غياب تناول نشأة السماوات العلى.

حال الإنسان مع فرضيات خلق الكون

تعتبر قضية خلق الكون من القضايا المتشابكة التي يخبط فيها البشر خبط عشواء، ويمكن تبسيط أسباب وقوع الخبط العشواء فيما يخص نشأة الكون بالأمثلة التالية:

  • الإنسان في ذلك يشبه اجتماع المكفوفين حول أحد الأفيال: فمنهم من يقول أن الفيل عبارة عن جسم له أعمدة ضخمة (أرجل الفيل)، ومنهم من يقول أن الفيل يتكون من أنابيب كبيرة ومرنة (خرطوم الفيل)، بينما يقول الثالث أن الفيل صاحب غطاء عريض كأوراق النبات (أذن الفيل).
  • أو يمكن القول أن الإنسان في محاولاته لوضع نظريات لنشأة الكون يشبه الطفل الصغير الذي يمتلك موهبة فطرية في تفسير الأشياء وفق رؤيته المحدودة، وتتفاوت دقة أحكام ذلك الطفل على الأشياء وفق مرحلة النمو الحركي والحسي والمعلوماتي له، فتتأرجح أقواله بين الصواب والخطأ نظرا لقلة الإدراك والمعلومات والخبرات.

فهل يمكن لمن يرى بضعة أجزاء من مليون من الكون الكبير أن يضع نظريات صحيحة لما لايرى منه إلا القليل؟ أم يحتاج الإنسان أن يتواضع للخالق عز وجل، وأن يقر بمحدودية ما لديه من العلم مصداقا لقوله تعالى في سورة الإسراء: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)).

نداء الجمع بين معطيات العلوم المادية والنصوص الشرعية:

نعم ما المشكلة في أن يعترف البشر بذلك فيتم التعاون بين أساتذة العلوم الشرعية وأساتذة العلوم الطبيعية للمزج بين الأمور الغيبية والأمور المادية، وما المشكلة أن نجد الآيات والأحاديث تُستخدم في المقالات العلمية اعترافا من البشر أن علمهم المحدود يقف عند هذه النقطة ويمكن استكمال بقية القصة أو النظرية من الوحي السماوي وفق الضوابط المقبولة عند كلا من أساتذة الشريعة وأساتذة الطبيعة. وقد كان ذلك التعاون أو التكامل المعرفي بين العلوم المادية والعلوم الشرعية هو من أهم صفات الحضارة الإسلامية الزاهرة.

د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

زر الذهاب إلى الأعلى