البحث العلمى

في ظلال رحلة المعراج الكونية (21ب) حول خلق الكون بين طرائق وطباقا

بقلم: الدكتور سعد كامل

 

نشر الباحث الدكتور سعد كامل مقالاً فكرياً جديداً ضمن سلسلته “في ظلال رحلة المعراج الكونية”، يسلط فيه الضوء على الدلالات اللغوية والتفسيرية للمصطلحات القرآنية المتعلقة بخلق الكون، مؤكداً على ضرورة تحقيق التكامل بين العلوم الشرعية والمادية لفهم تفاصيل نشأة السماوات والأرض.

الفرق الدلالي والتفسيري بين “طرائق” و”طباقا”

وقف الباحث كثيرا مع معاني الكلمتين ((طرائق وطباقا)) عند مطالعة آراء المفسرين التي تتناول معاني صفات السماوات السبع (التي أحب أن أسميها: الكون الصغير).

جاء في سورة المؤمنون قوله تعالى:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)) وقد جاء في تفسير أضواء البيان قوله: “قيل لها طرائق: لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل إذا صيرها طاقا فوق طاقٍ وركب بعضها فوق بعض”. فطبقات النعل تكون متلاصقة.

أما كلمة طباقا فقد وردت في موضعين الأول في سورة الملك: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3))، والثاني في سورة نوح: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15)).

سبع سماوات طباقا:-

جاء في أيسر التفاسير حول آية سورة الملك شرحا قال فيه: “وقوله (الذي خلق سبع سماوات طباقا) هذا ثناء بعظيم القدرة وسعة العلم والحكمة، خلق سبع سماوات طباقا سماء فوق سماء مطابقة لها ولكن من غير مماسة إذ ما بين كل سماء وأخرى هواء وفراغ مسيرة خمسمائة عام فالمطابقة المعادلة والمساواة في الجرم؛ لا بوضع سماء على الأخرى كغطاء القدر.”

 كما جاء في تفسير ابن كثير قوله: “(الذي خلق سبع سماوات طباقا) أي طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان، أصحهما الثاني، كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره.”

أما عن آية سورة نوح فقد جاء في تفسير صريح العبارة قوله: “أي متطابقة بعضها فوق بعض، والرؤية هنا علمية إذ لا يُرى بالبصر إلا واحدة، وعُلِّقَتْ بالاستفهام، وعلمهم بذلك من جهة الوحي السابق، أو كانوا منجمين.” فهي سماوات متطابقة.

ونلاحظ الدقة العلمية في قوله أنهم يعلمون أن السماوات سبع طباقا من الوحي السابق أو من المنجمين الذين كانوا يتصلون بالجن، فالأساس في معرفة تلك المعلومة ليس العلم البشري ولا الرؤية البصرية لاستحالة ذلك، ولكنها معلومات لا تتوفر إلا من الوحي أو من مصادر غير بشرية.

السماوات هي أساس بناء الكون الصغير

نلاحظ في الآيتين من سورة الملك وسورة نوح أن المذكور في كلتا الآيتين هو أن الله خلق سبع سماوات، ولم يذكر الأرض، وذلك -في اعتقادي- لأن الأساس في الكون الصغير (السماوات السبع) هو هيكل تلك السماوات من الكرات متحدة المركز، وما بينها من الفراغات المذكورة أعلاه.

أما الأرضين فهي جزء من هذا الهيكل عبارة عن الأسطح العلوية لكل سماء، ونظرا لأن السماوات العلى تضم الجنة والسفلى تضم النار، فإن تلك الأسطح العلوية قد تكون أرض الجنة وأرض النار المذكورة في القرآن الكريم.

ربط “رفع سمك السماء” بنظريات التضخم الكوني

يمكن القول أن مرحلة “الفتق” – المذكورة في الآية 30 من سورة الأنبياء- هي مرحلة انفصال أو رفع السماوات السبع كما في قوله تعالى في سورة النازعات ((أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29))… فيكون الفتق والبناء هو رفع سمك السماوات وتسويتها طبقات متباعدة كروية ما لها من فروج.

ويمكن القول أن ذلك الرفع قد يتوافق مع ما يعرفه علماء الكونيات بتضخم الكون منذ 13.7 مليار سنة.

دعوة لتكامل العلوم الشرعية والمادية لفهم نشأة الخلق

ويرى الكاتب الحالي أن الاتفاق على تعريف مكونات الكون التي وردت في هذه الآيات الكريمات، وكذلك التي وردت في التفسير من الأهمية بمكان، فذلك التعريف يعتبر مفتاح فهم تفاصيل عملية الخلق، وذلك يتطلب أبحاثا شرعية للفصل في هذه المسألة حتى نضمن صياغة رؤية دقيقة عن خلق السماوات السبع والأرضين السبع، وعن خلق الكون الكبير (السماوات السبع والعرش المجيد) وفق مراد الخالق سبحانه وتعالى.

وغني عن البيان أن ذلك يتطلب تحقيق التكامل المنشود بين جانبي العلم المعاصر الشرعي والمادي…. وبالله التوفيق.

(يتبع)

 

د.سعد كامل

أستاذ مشارك في الجيولوجيا

الإسكندرية – مصر

saadkma2005@yahoo.com

زر الذهاب إلى الأعلى