أراء وقراءات

الإعلام والقيم المجتمعية: كيف يعيد تشكيل السلوك العام؟

بقلم / الإعلامي نبيل قشطي

لم يعد تأثير الإعلام في المجتمعات المعاصرة مقتصرًا على نقل الأخبار أو متابعة الأحداث، بل امتد ليصل إلى منطقة أكثر عمقًا تتعلق بتشكيل القيم والسلوكيات وأنماط التفكير. في ظل حضور إعلامي مكثف يرافق الأفراد في تفاصيل حياتهم اليومية، أصبح الإعلام -في صورته الحديثة- لا ينقل الواقع فحسب، بل يساهم بشكل مباشر في صناعة الصورة الذهنية لما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع.


الإعلام كصانع للصورة الذهنية والواقع الاجتماعي

يعتبر الإعلام اليوم عنصرًا فاعلًا في تشكيل منظومة القيم الاجتماعية، سواء بشكل إيجابي أو سلبي، وذلك بحسب طبيعة المحتوى المقدم وطريقة معالجته. فهو يمتلك القدرة على توجيه الرأي العام وبناء تصورات مجتمعية جديدة حول القضايا الراهنة، مما يجعله شريكًا غير مرئي في صياغة السلوك اليومي للأفراد.

الدور الإيجابي: تعزيز قيم الحوار والمسؤولية

في إطاره الإيجابي، يسهم الإعلام في ترسيخ مجموعة من القيم الأساسية التي تنهض بالمجتمعات، ومن أبرزها:

  • تعزيز ثقافة الحوار: من خلال نشر قيم احترام الاختلاف والعمل الجماعي.

  • تسليط الضوء على النماذج المشرفة: مما يخلق حالة من الدعم المعنوي للسلوكيات البناءة ويعزز حضورها في الوعي العام.

  • دعم المسؤولية المجتمعية: عبر تناول قضايا التعليم، الصحة، والتنمية بعمق وجدية، مما يرفع مستوى وعي الجمهور تجاه التحديات الحيوية.

تحديات المحتوى الإعلامي وفخ الإثارة

على الجانب الآخر، يتراجع هذا الدور الإيجابي أحيانًا أمام أنماط إعلامية تركز على الإثارة أو الترفيه المفرط. تقديم نماذج سلوكية غير متوازنة يؤدي تدريجيًا إلى إعادة تشكيل بعض المفاهيم بصورة غير مباشرة، وخاصة لدى فئة الشباب الأكثر تأثرًا. ويكمن التحدي الحقيقي في الحفاظ على توازن دقيق بين “جذب الجمهور” والالتزام بـ “القيم المهنية”، وهو توازن يزداد صعوبة في ظل المنافسة الشرسة داخل الفضاء الرقمي.

الوعي النقدي: دور المتلقي في المعادلة الإعلامية

لم يعد التأثير الإعلامي أحادي الاتجاه؛ فالمتلقي اليوم أصبح شريكًا أساسيًا. هذا الواقع الجديد يتطلب قدرًا أكبر من الوعي النقدي للتعامل مع المحتوى، والقدرة على التمييز بين ما يعكس قيمًا حقيقية أصيلة، وبين ما يقدم مجرد صور إعلامية سطحية تهدف للاستهلاك اللحظي فقط.

المسؤولية الإعلامية والمستقبل

في النهاية، يظل الإعلام الأداة الأقوى للتأثير في بنية القيم، إما تعزيزًا وترسيخًا أو تغييرًا وتشكيلًا. إن مواجهة هذا التأثير المتنامي تجعل من “المسؤولية الإعلامية” و”الوعي المجتمعي” عنصرين متلازمين لا غنى لأحدهما عن الآخر لحماية وجدان المجتمع وسلوكه العام.

            الإعلامي نبيل قشطي

زر الذهاب إلى الأعلى