اقتصادالسودان

الصمغ العربي في السودان.. من مورد تنموي إلى شريان لتغذية اقتصاد الحرب

كتبت – د.هيام الإبس

الأمم المتحدة تحذر: السلعة الاستراتيجية التي تدخل في الأدوية والمشروبات العالمية باتت أسيرة شبكات التهريب وتحت سيطرة أطراف النزاع.

في قلب غابات السودان الشاسعة، حيث تنتشر أشجار السنط (الأكاسيا)، تدور معركة صامتة لا تقل ضراوة عن جبهات القتال المشتعلة. الصمغ العربي، الذي ظل لعقود بمثابة “اللؤلؤة الشفافة” الثمينة ومصدر الرزق الأساسي لملايين السودانيين، تحوّل اليوم إلى وقود اقتصادي يغذي الصراع الدامي بين الجيش وقوات الدعم السريع.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، دقت الأمم المتحدة ناقوس الخطر، محذرة من أن عوائد هذه التجارة الحيوية باتت تتدفق -مباشرة أو غير مباشرة- إلى خزائن أطراف النزاع، مما يهدد بإطالة أمد الحرب في بلد ينتج نحو 80% من الإمدادات العالمية لهذه السلعة الاستراتيجية.

 عصب الصناعات العالمية في قبضة السلاح

تكمن أهمية الصمغ العربي في كونه مكوناً طبيعياً فريداً لا غنى عنه في كبرى الصناعات الدولية؛ إذ يُستخدم كعامل تثبيت أساسي في:

  • الصناعات الغذائية والمشروبات الغازية: يدخل كعنصر أساسي في الحفاظ على قوام المنتجات.

  • صناعة الأدوية والعقاقير الطبية: يُستخدم في تغليف الأقراص وتثبيت المركبات الدوائية.

  • مستحضرات التجميل والمنتجات الكيميائية: يدخل في صناعة المستحلبات والكريمات الراقية.

هذه الأهمية الفائقة جعلت من مناطق إنتاجه الرئيسية في إقليم دارفور وولايات كردفان، ساحة لصراع النفوذ والسيطرة العسكرية، لتتحول طرق التجارة ومناطق الحصاد من قطاع تنموي إلى أوراق ضغط ومصادر تمويل للأطراف المتحاربة.

 تهريب عابر للحدود وغياب للشفافية

ووفقاً لتقرير حديث صادم صدر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن سلاسل توريد الصمغ العربي تشهد تشوهات خطيرة تتلخص في الآتي:

  • تهريب وتبييض للمنشأ: يتم جمع كميات ضخمة من الصمغ من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، لتُهرَّب عبر الحدود إلى دول مجاورة، وتُعاد صياغة منشئها وتصديرها للأسواق العالمية كمنتجات محلية لتلك الدول.

  • المسار الرسمي للجيش: في المقابل، يمر الجزء الآخر من الإنتاج عبر المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، متجهاً إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر تمهيداً لتصديره رسمياً.

هذا الانقسام والتهريب يعقدان مهمة الشركات العالمية في تتبع المصدر الحقيقي للمادة الخام، مما يوقعها في فخ تمويل النزاع دون علمها.

 اقتصاد الحرب يلتهم لقمة عيش المزارعين

مع انهيار الهياكل الاقتصادية الرسمية للدولة، باتت الموارد الطبيعية (كالذهب والصمغ والماشية) البديل السريع لتمويل العمليات العسكرية. غير أن المتضرر الأكبر من هذه الفوضى هم المزارعون والتجار المحليون.

وقد وثق التقرير الأممي انتهاكات واسعة طالت هذا القطاع، شملت:

  1. فرض إتاوات وتهديدات أمنية على المزارعين في مناطق الإنتاج.

  2. عمليات نهب واسعة طالت المخازن ومراكز التجميع؛ ومن أبرزها، نهب بورصة الصمغ العربي ومستودعاتها في مدينة النهود (ولاية غرب كردفان) عام 2025، مما سدّد ضربة قاصمة للسوق المحلية وعائلات آلاف العاملين.

4. الشركات العالمية أمام “الاختبار الأخلاقي”

وضعت هذه التطورات الميدانية الشركات الدولية تحت مجهر المساءلة الأخلاقية والقانونية. وفى هذا السياق، وجّه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، رسالة حازمة للأسواق العالمية تضمنت محورين:

  • التحقق الصارم: دعا تورك الشركات إلى التوقف عن شراء المواد الخام من سلاسل توريد مرتبطة بالنزاع ما لم يتم إجراء عمليات تدقيق وتحقق دقيقة وشفافة.

  • التحذير من التواطؤ غير المباشر: كما نبّه إلى أن مواصلة الشراء بالآليات التقليدية ودون تحرٍّ قد يجعل هذه الشركات شريكة في إطالة أمد الحرب ودعم الانتهاكات الإنسانية.

معضلة السودان: ثروة مهددة أم طوق نجاة مستقبلي؟

تختصر أزمة الصمغ العربي المشهد السوداني المعقد؛ حيث تحولت الثروات التي كانت مصممة لإنعاش الاقتصاد وبناء الدولة إلى أدوات صراع ومصادر تمويل تضمن للأطراف المتحاربة القدرة على الصمود والاستمرار في القتال. ويبقى مستقبل هذه السلعة معلقاً ببوصلة الحل السياسي في السودان؛ فإما أن يعود الاستقرار وتسترد الدولة سيادتها ليعود الصمغ العربي محركاً للتنمية وسبباً في رخاء ملايين الأسر، وإما أن تستمر الفوضى، ليظل الصمغ العربي مجرد شريان مالي يغذي حرباً بلا نهاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى