الجزائرشئون عربية

تحركات جزائرية واسعة لاحتواء أزمة الساحل

وساطة دبلوماسية بين انجمينا ونيامي وتعزيز الحضور الأمني والاقتصادي

 

كتبت – د. هيام الإبس

في خطوة تعكس صدارة الملف الأفريقي في أجندتها الخارجية وتصاعد دورها كركيزة أساسية لاستقرار الجوار الإقليمي، تخوض الدبلوماسية الجزائرية حراكاً مكثفاً على محورين سياسي وميداني؛ تستهدف من خلاله نزع فتيل الأزمة المتأججة بين تشاد والنيجر، بالتوازي مع تعزيز حضورها الاستراتيجي في مجالات الطاقة والدفاع المشترك لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

تحرك دبلوماسي جزائري لنزع فتيل الأزمة بين انجمينا ونيامي

بحث وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، في العاصمة التشادية انجمينا، مع الرئيس إدريس ديبي إتنو، تطورات الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، وانعكاسات التوترات القائمة بين دولها، إلى جانب سبل تعزيز التعاون لمواجهة التحديات المشتركة.

وتأتي هذه الزيارة رفيعة المستوى في وقت تتزايد فيه المؤشرات على رغبة الجزائر في الاضطلاع بدور وسيط للتهدئة، خصوصاً مع تصاعد الخلاف الحاد بين تشاد والنيجر، وما يحمله هذا التوتر من مخاطر جسيمة على التوازنات الأمنية في فضاء إقليمي يعاني أصلاً من نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة عابرة الحدود.

وخلال اللقاء، سلّم عطاف الرئيس التشادي رسالة خطية من نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، تضمنت تأكيداً صريحاً لموقف الجزائر الداعم لاستقرار المنطقة، واستعدادها التام للعمل مع دولها من أجل تعزيز الأمن وتنسيق الجهود في مواجهة التهديدات المتنامية.

وفي هذا الإطار، تبرز إمكانية تحرك الدبلوماسية الجزائرية لتقريب وجهات النظر بين انجمينا ونيامي، مستفيدة من علاقاتها المتزنة والمتينة مع الطرفين، في مسعى حثيث لاحتواء الخلاف ومنع تحوله إلى مواجهة مباشرة قد تفتح المجال أمام مزيد من الفوضى والاضطرابات الأمنية.

ورغم عدم الإعلان عن مبادرة وساطة رسمية حتى الآن، فإن انخراط الجزائر المباشر في المشاورات المكثفة بشأن تطورات المنطقة يضع تحركاتها الدبلوماسية في سياق البحث الجاد عن تسويات متكاملة للأزمات الإقليمية.

جذور الخلافات والاتهامات المتبادلة بين الجارين

وكان التوتر بين البلدين الجارين قد تصاعد بشكل ملحوظ عقب اتهامات وجهتها السلطات النيجرية إلى تشاد بالضلوع في محاولة انقلابية شهدتها النيجر يومي 28 و29 أغسطس الماضي، فضلاً عن اتهامات بالمشاركة في استهداف منطقة أغاديز شمال البلاد بطائرة مسيرة، ودعم حركة مسلحة تنشط شرق النيجر.

وفي المقابل، تتهم انجمينا السلطات النيجرية بالتدخل المباشر في شونها الداخلية، عبر دعم أطراف من المعارضة التشادية وإيواء عناصر منها، ما عمّق الشقاق بين الجانبين وأثار مخاوف إقليمية واسعة من انتقال تداعياته إلى المحيط الجغرافي للبلدين.

شراكة استراتيجية في الطاقة ودعم مسار التعافي

ولا تقتصر رهانات الجزائر في المنطقة على المسار الأمني فحسب، إذ تسعى بالتوازي إلى توسيع حضورها الاقتصادي في تشاد، وتعزيز الشراكة الثنائية باعتبارها مدخلاً رئيسياً لترسيخ نفوذها الإقليمي وضمان الاستقرار المستدام. وقد شهدت العلاقات بين البلدين زخماً لافتاً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً منذ زيارة ديبي إلى الجزائر في مايو الماضي، التي فتحت آفاقاً جديدة لتوسيع التعاون في قطاعات استراتيجية متعددة.

وفي قطاع الطاقة حيوية الأهمية، بدأت الجزائر منذ يناير الماضي تقديم الدعم الفني المتخصص لتشاد لمساعدتها على تطوير أنشطة المحروقات وإعادة هيكلة بعض مؤسساتها الوطنية، استناداً إلى ثلاثة اتفاقات وقعتها شركة “سوناطراك” مع المؤسسة التشادية للمحروقات، تشمل مجالات الاستكشاف والتطوير والإنتاج ونقل الخبرات.

انخراط ميداني وعسكري لتعزيز الأمن الإقليمي

ويكتسب التحرك الدبلوماسي الجزائري أهمية استراتيجية إضافية في ضوء انتقال انخراط الجزائر في منطقة الساحل إلى المستوى العسكري الفعلي؛ إذ وصلت في 30 أكتوبر الماضي أول قافلة من الجيش الجزائري إلى مدينة أرليت شمال غرب النيجر، تنفيذاً لقرار اتخذه الرئيس عبد المجيد تبون عقب موافقة البرلمان، وبناءً على طلب رسمي من السلطات النيجرية.

وتتمثل المهمة المعلنة لتلك القوات في حماية المصالح الاقتصادية والطاقة المشتركة، ولا سيما المشاريع المرتبطة بقطاع المحروقات، في خطوة ميدانية تعكس اتساع نطاق الحضور الجزائري وثقله في رسم معادلات الأمن الإقليمي.

زر الذهاب إلى الأعلى