خطبة “شرف العمل وقيمة الإنتاج”

اعداد الدكتور عبد المنعم ابراهيم
أعدها للنشر/هاني حسبو.
أولاً: مكانة العمل وشرفه في الإسلام بالأدلة
العمل فريضة بعد الفريضة:
طلب الحلال فريضة على كل مسلم. قال النبي ﷺ: «طَلَبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ».
ودلت آيات سورة الجمعة على الحث على العمل والانتشار في الأرض ابتغاءً لفضل الله بعد أداء الصلاة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].
العمل من هدْي الأنبياء عليهم السلام:
داود عليه السلام: كان حداداً يأكل من عمل يده. قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]، وقال: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 11
نوح وزكريا عليهما السلام: كان نوح يصنع الفلك، وكان زكريا نجاراً.
رعي الغنم: ما بُعث نبي إلا راعى الغنم، وقد بيّن النبي ﷺ أنه كان يرعاها على قراريط لأهل مكة. والدليل قوله ﷺ لجابر ومن معه لما كانوا يجتنون الكباث: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُ… وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ رَعَاهَا».
العمل للعيال “في سبيل الله”:
من خرج يسعى على ولده صغاراً أو أبوين شيخين أو يعف نفسه فهو في سبيل الله، لقوله ﷺ للرجل الذي رأى أصحابه من جلده ونشاطه ما أعجبهم.
عزة النفس والتعفف عن المسألة:
اليد العليا خير من اليد السفلى، لحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى… وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ».
وحث النبي ﷺ على العمل ولو بالاحتطاب خيراً من المسألة: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا… خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ».
التحذير من تضييع من يُقوت:
قال رسول الله ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». وكان ابن عمر وعبدالله بن عمرو يشددان في ترك النفقة وتضييع الأهالي عند الانشغال بغير عذر.
ثانياً: قيمة الإنتاج والزراعة في الدنيا والآخرة
فضل الغرس والزرع:
جعل الإسلام للإنتاج الزراعي أجراً مستمراً؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».
الحث على الإنتاج حتى آخر لحظة:
بلغت قيمة العمل والإنتاج في الإسلام غاية العظمة في قول النبي ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».
إصلاح الأرض وعمارتها:
أرسل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاته يأمرهم: «أنْ أصْلِحُوا مَا رَزَقَكُم اللَّهُ فَإنَّ فِي الأَمرِ تَنفُّساً».
ثالثاً: أسباب معينة على العمل والاحتراف
التدريب المستمر واكتساب العادة: لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ… وَمَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ».
اختيار ما تطيقه من الأعمال: استناداً لقوله ﷺ: «فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون».
التزام حدود الله في الوظيفة: العامل الذي يأخذ الحق وأعطاه يكون كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته.
إعانة الصانع والأخرق: لقوله ﷺ في تفضيل الأعمال: «تُعِينُ ضَايِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ».
الصحبة الطيبة ومجالسة العاملين الصالحين.
الدعاء وصلاح الحال: مثل دعاء النبي ﷺ: «اللهُمَّ أَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي»، وطلب العمل الذي يرضاه الله في السفر وغيره.
الخاتمة
لم يرتب الشرع الحنيف دخول الجنة إلا على الإيمان والعمل الصالح؛ قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25].
ورد عن ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ كَالاً فِي طَبَبِ الحلال مات مغفوراً له» (أي متعباً في طلب الحلال).




